تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع

الآية، وقرأ في الثانية فاتحة الكتاب، ثم قوله تعالى:

كل نفس ذائقة الموت

الآية، فلما سلم ذكر أشياء لم أحفظها، وكان مما حفظته قوله:

اللهم إنك المتجلي

39

عن كل جهة، المتخلي عن كل جهة، بحق قدمك على حدثي، وحق حدثي تحت ملابس قدمك، أن ترزقني شكر هذه النعمة، التي أنعمت بها علي، حيث غيبت أغياري عما كشفت لي من مطالع وجهك، وحرمت على غيري ما أبحت لي من النظر في مكنونات سرك.

هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي! تعصبا لدينك، وتقربا إليك، فاغفر لهم، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي، لما فعلوا ما فعلوا، ولو سترت عني ما سترت عنهم، لما ابتليت بما ابتليت، فلك الحمد فيما تفعل، ولك الحمد فيما تريد!

ثم سكت وناجى سرا، فتقدم أبو الحارث السياف، فلطمه لطمة هشمت أنفه، وسال الدم على شيبه!

فصاح الشبلي ومزق ثوبه، وغشي على أبي الحسن الواسطي، وعلى جماعة من الصوفية المشهورين، وكادت الفتنة تهيج، ففعل أصحاب الحرس ما فعلوا!

ثم تقدم صاحب الشرطة، فشده إلى آلة الصلب، ثم أمر الجلاد بأن يضربه ألف سوط، فأخذ يضربه وهو صامت لا يتأوه، ولا يضطرب، ولا يستعفي، وإنما يقول: أحد أحد، حتى بلغ ستمائة سوط، فقال لصاحب الشرطة: ادن مني فإن عندي نصيحة تعدل عند الخليفة فتح قسطنطينية، فقال له: قد قيل لي عنك أنك تقول هذا وأمثاله، وليس لي أن أرفع الضرب عنك، فسكت حتى ضرب ألف سوط!

فلما أتم الجلاد ما كلف به، أخذ الحلاج يتواجد ويتبختر في مشيته، وفي قدميه ثلاثة عشر قيدا، ثم راح وهو في ثمل روحي عميق ينشد:

نديمي غير منسوب

إلى شيء من الحيف

دعاني ثم حياني

فعل الضيف بالضيف

فلما دارت الكأس

دعا بالنطع والسيف

كذا من يشرب الراح

مع النثرين

40

في الصيف

41

ثم قال:

يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد .»

بتر يداه

ثم تقدم الجلاد مشهرا سيفه، ومن حوله حملة الرماح والدروع، فقطع يده اليمنى، ثم يده اليسرى، ولم يجزع الحلاج ولم يتأوه، ولم تفارق الابتسامة شفتيه، ولم يفتر لسانه عن ذكر الله ومناجاته!

لقد اعتصم الحلاج بشيء أعظم من كل ما يدب على وجه الأرض، من عدوان وبغي، اعتصم بإيمانه، ولاذ بحبه، ولجأ إلى ربه، فغاب عن نفسه، وعن حسه، سما إلى الأفق الأعلى، فعاش في نشوة المشاهدة، ونعيم القرب، فأنساه ما يرى وما يتذوق هول ما يلقى من آلام وعذاب!

ولما أخذ وجهه في الاصفرار لكثرة ما نزف من دمه، شال بذراعه على وجهه

42

فخضبه بالدم حتى يخفي اصفراره، وقال مبتسما: ركعتان في العشق لا يصح وضوؤهما إلا بالدم!

ثم أنشد مترنما:

وحرمة الود الذي لم يكن

يطمع في إفساده الدهر

ما نالني عند هجوم البلا

بأس ولا مسني الضر

ما قد لي عضو ولا مفصل

إلا وفيه لكم ذكر

43

وتطاير هذا النشيد الحار المؤمن إلى الجماهير المحتشدة، فارتفع الزئير المرعد من أفواه الرجال، وأغمي على كثير من النساء، وماجت الصفوف بالتهديد السافر، والغضب المتوهج.

وأسرع الجند إلى سياطهم وجرابهم، وازداد الموقف توترا في ساحة الصلب! بينما طافت نذر الثورة في أزقة بغداد وشوارعها.

وزاد الحقد والغضب بحامد وعصبته، فأخذوا يتصيدون بعض أعوانهم من صفوف الصوفية والفقهاء، ليدفعوا بهم حول منصة الصلب ليرموا الحلاج بالسباب، ويتهموه بالمروق، عل هذا الاتهام يخفف من إيمان الجمهور به، وغضبته له.

يقول ابن كثير:

44 «وجاء أبو الحسن البلخي عند الخشبة، وقال - للحلاج: الحمد لله الذي أمكن منك يا عدو الله؟ كيف رأيت بوس الناس في يديك، وقولهم لك يا سيدي ويا مولاي وأنت راض بذلك.»

ويقول ماسنيون:

45 «وأخذ الجند يحضرون بعض أفراد من الصوفية لينالوا من الحلاج، ثم يقول: وأتى الجند بالشبلي، وقد وضعوا منديله في عنقه، وهم يسحبونه إلى الحسين بن منصور ليلعنه! فتأبى من ذلك وقال: اتركوني، فقالوا: ما نتركك حتى تلعنه، أو ترسل إليه رسولا بذلك!

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٥٠