تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا كان الحلاج، حتى في ليلة الهول، ليلة المصرع، لقد أعرض عن الدوي الذي أحدثه النبأ العظيم، وأقبل على ربه يناجيه بمواجيد قلبه، وألحان حبه.

يقول ابنه أحمد:

34 «فلما كانت الليلة التي أخرج في صبيحتها والدي من الحبس - للقتل - قام فصلى ركعتين، فلما فرغ من صلاته لم يزل يقول: مكر، مكر، إلى أن مضى من الليل أكثره، ثم سكت طويلا، ثم قال: حق، حق، ثم قام قائما وتغطى بإزار، وائتزر بمئزر، ومد يديه نحو القبلة، وأخذ في المناجاة.

وكان خادمه أحمد بن فاتك حاضرا، فحفظنا بعضها، فكان من مناجاته: نحن بشواهدك نلوذ، وبسنا عزتك نستضيء، لتبدي ما شئت من شأنك ومشيئتك، وأنت الذي في السماء إله، وفي الأرض إله.

يا مدهر الدهور، ومصور الصور، يا من ذلت لك الجواهر، وسجدت لك الأعراض، وانعقدت بأمره الأجسام، وتصورت عنده الأحكام.

يا من تجلى لما شاء، كيف شاء، مثل التجلي في المشيئة، لأحسن صورة، والصورة هي الروح الناطقة، التي أفردته بالعلم والبيان والقدرة.

ثم أوعزت إلى شاهدك لما أردت بدايتي، وأظهرتني، عند عقيب كراتي، وأبديت حقائق علومي ومعجزاتي، صاعدا في معارج إلى عروش أزلياتي، عند القول من برياتي.

إني أحتضر، وأقتل، وأصلب، وأحترق، وأحمل على السافيات.

35

ثم أنشأ يقول:

أنعى إليك نفوسا طاح شاهدها

فيما وراء الحيث أو في شاهد القدم

أنعى إليك قلوبا طال ما هطلت

سحائب الوحي فيها أبحر الحكم

أنعى إليك لسان الحق مذ زمن

أودى وتذكاره في الوهم كالعدم

أنعى إليك بيانا تستكين له

أقوال كل فصيح مقول فهم

أنعى إليك إشارات العقول معا

لم يبق منهن إلا دارس الرمم

أنعى وحبك أخلاقا لطائفة

كانت مطاياهم من مكمد الكظم

مضى الجميع فلا عين ولا أثر

مضي عاد وفقدان الألى إرم

وخلفوا معشرا يحذون لبستهم

أعمى من البهم بل أعمى من النعم»

وعن إبراهيم بن فاتك قال:

36 «دخلت على الحلاج في الليلة الأخيرة وهو في الصلاة، مبتدئا بقراءة سورة البقرة، فصلى ركعات حتى غلبني النوم، فلما انتبهت سمعته يقرأ سورة - حم عسق - فعلمت أنه يريد الختم، فختم القرآن في ركعة واحدة، ثم قرأ في الثانية ما قرأ، ثم ضحك إلي وقال: ألا ترى أني أصلي لرضائه، من ظن أنه يرضيه بالخدمة فقد جعل لرضاه ثمنا!»

ويقول الرزاز:

37 «كان أخي خادما للحسين بن منصور، فسمعته يقول: لما كانت الليلة التي وعد من الغد بقتله، قلت: يا سيدي أوصني، فقال لي: عليك بنفسك، إن لم تشغلها شغلتك.

ثم أنشأ يقول:

عجبت منك ومني

يا منية المتمني

أدنيتني منك حتى

ظننت أنك أني

وغبت في الوجد حتى

أفنيتني بك عني

ثم أخذ يترنم ويرقص، وهو في حالة من النشوة العارمة، والوجد العنيف، جعلت ابن خفيف يعتقد أن جدران سجنه كانت أيضا تترنم بقوله:

لي حبيب حبه وسط الحشا

لو يشا يمشي على خدي مشى

روحه روحي، وروحي روحه

إن يشا شئت، وإن شئت يشا» (2-10) مصرع الشهيد

وجاء يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي القعدة، سنة تسع وثلاثمائة، فشهدت بغداد أكبر حشد عرفه تاريخها!

اجتمع هذا الحشد العظيم على ضفاف دجلة، راجف القلب، دامع العين، كظيم الغيظ، وتركزت نظراته على الحلاج، الذي وقف في أغلاله وقيوده، مشرق الوجه، عالي الرأس، شامخا جليلا، وقد أحاطت به صفوف الجند، وطوقته زبانية العذاب، وارتفعت إلى السماء قوائم خشبية غليظة جللت بالسواد، هي الآلة التي أعدت لجلده وعذابه وصلبه.

قال الياقوتي: «سمعت الحلاج عندما تقدم للصلب يقول: يا معين الفناء علي أعني على الفناء.»

ويقول القاضي أبو العلاء الواسطي: «لما جيء بالحسين بن منصور الحلاج ليقتل، أخذ يتبختر في قيده، وهو ينشد:

طلبت المستقر بكل أرض

فلم أر لي بأرض مستقرا

فنلت من الزمان ونال مني

وكان مناله حلوا ومرا

وعن إبراهيم بن فاتك قال:

38 «لما أتي بالحسين بن منصور ليصلب، رأى الخشبة والمسامير، فضحك كثيرا حتى دمعت عيناه، ثم التفت إلى القوم، فرأى الشبلي بينهم، فقال له: يا أبا بكر، هل معك سجادتك؟ فقال: بلى يا شيخ، قال: افرشها لي، ففرشها، فصلى الحسين بن منصور عليها ركعتين، وكنت قريبا منه، فقرأ في الأولى فاتحة الكتاب، ثم قوله تعالى:

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٤٩