5
ويروي لنا إمام الحرمين الجويني: «إن الحلاج كان يريد قلب الدولة، والتعرض لإفساد المملكة.»
ويقول المستشرق نيكلسون في كتابه «الصوفية في الإسلام»: «إن قتل الحلاج أملته دوافع سياسية لا تعرف الرحمة.»
ويقول العلامة جولدزيهر في كتابه «محاضرات عن الإسلام»: «لقد أثرت صيحة الحلاج الصوفية - معرفة الله - تأثيرا عميق الأثر، في الحياة العلمية الإسلامية.»
ثم يقول: «لقد أخذ الحلاج يتدخل في حياة المجتمع الإسلامي تدخلا شديد الوطأة.»
ويقول العلامة المستشرق ماسنيون:
6 «كان الحلاج يحرك الجماهير، وينادي بالإصلاح، ويبشر بفكرة الحكومة المثالية التي تقيم الشريعة على نغمات المحبة والعبادة الخالصة لله.»
وإذن فصيحة الحلاج الصوفية الإصلاحية، ودعوته إلى إقامة حكومة ربانية مثالية، هي سر المأساة الكبرى، أو إحدى أسرار تلك المأساة الكبرى.
ومأساة الحلاج، كونتها عناصر تاريخية ونفسية وخلقية، وفي طليعة تلك العناصر، الرهبة التي استشعرها العباسيون من القوى الصوفية النامية، التي أخذت تهيمن على العراق في القرن الثالث الهجري.
يقول العلامة ابن الأثير بعد أن شرح الموقف في الإمبراطورية العباسية والصراع الناشب بين الفرق والطوائف:
7 «ولكن فرقة واحدة بقيت بعيدة عن التعصب، ألا وهي فرقة الصوفية، فقد كانوا يمتازون بسلامة الفكر والعفة والأخلاق الحميدة، كما كان أفق تفكيرهم أوسع بكثير من غيرهم فأكسبهم هذا حب كثير من الناس، وأخذ نفوذهم يزداد ويقوى، وهرع كثير من الناس إلى حظيرتهم بعد أن رأوا جور الزمان وقسوته، وكثرت مجالس الصوفية وأقبل الناس عليها.»
تلك هي مكانة التصوف في العراق خلال تلك الحقبة من التاريخ، لقد غدا أتباعه، القوة الحية النامية في المحيط الممزق المضطرب.
وكان في بغداد، عمالقة من الأئمة الروحانيين، وزعماء من القادة الصوفيين ... كان هناك أبو القاسم الجنيد، والشبلي، وسهل التستري، وعمر المكي، والسري السقطي، وغيرهم من الأقطاب الكبار.
ولكن الحلاج، كان أقواهم شخصية، وأوسعهم نفوذا، وألصقهم بالجماهير، وأكثرهم قدرة على حمل راية الكفاح والنضال.
كان الحلاج يحمل روح ثائر، وقلب قطب، وعقل زعيم، وروح محب عابد، وكان يؤمن بالتصوف القرآني الإيجابي؛ الذي يسهم في الأحداث ويوجهها، ويترك طابعه عليها.
وكان يبشر عن عقيدة ثابتة لا تتزلزل، بحكومة الأقطاب الروحانيين، كما كان يؤمن بأثر الصلاة والعبادة ومحبة الله، في إصلاح المجتمع، والارتفاع بالجماهير إلى أفق أنبل وأعلى.
ومن هنا كان الحلاج في نظر الخلافة العباسية، هو الزعيم الصوفي الذي يهدد سلطانها ونفوذها ، ويؤلب الجماهير ضد مظاهر الترف والإسراف والشهوات العالية الصوت في محافلها وقصورها.
يقول الإصطخري: «إن كثيرا من علية القوم في بغداد رأوا في الحلاج، أنه هو الرئيس القطب المنقذ.
وفي طليعة من آمن به من الوزراء: علي بن عيسى، وحمد القنائي، والدولابي، ونعمان، ومحمد بن عبد الحميد.
ومن الأمراء: الحسين بن حمدان، ونصر القشوري. ومن ولاة الأمصار: أبو بكر الماذرائي، ونجح الطولوني. ومن دهاقين فارس وأشراف الهاشميين: أبو بكر الربعي، وأحمد بن عباس الزينبي.»
ثم يقول: «وكانت له معهم مراسلات مما هيأ لهم الهداية، وهيأ له الخوض في السياسة، وواجبات الوزراء.»
وتلك الصورة التي رسمها لنا الإصطخري تدل دلالة كبرى على مدى الأثر الكبير، والنفوذ الواسع، الذي ظفر به الحلاج، في الدوائر العليا للخلافة العباسية.
يقول ماسنيون: «لقد طالب الحلاج بإصلاح الإدارة الحكومية في جرأة غير مسبوقة، ونادى بإقامة حكومة إسلامية حقا، ووزارة كما يقول: تحكم بالحق والعدل بين الناس، وهاجم عمال الخراج، وطالب كما يقول: بخلافة تشعر بمسئوليتها أمام الله جل جلاله، مما يجعل الله يرضى عن قيام المسلمين بفروض دينهم، من صلاة وحج وصيام.»