ونرى العالم الإسلامي، وهو يتمزق بعد وحدة، وتنتابه انتفاضات فكرية وثورية، واقتصادية وثقافية.
ونطالع الحياة الروحية، في أزهى عصورها، وأنبل صورها، عصر النجوم المتلألئة، عصر المدارس الصوفية الكبرى، التي دفعت بمناهجها في المعرفة والسلوك، إلى ساحات الفكر الإسلامي، وأطلقت في جو عاصفة الجدل والحوار، والخصومات المذهبية الجامحة، أطلقت كلمات جذابة حلوة، لها إغراء ورنين وبريق، كلمات الحب، والوجد، والشوق، والأنس في الحضرة الربانية، والساحة القدسية.
وما تلهم هذه الكلمات النورانية، من أدب النفس، وسمو الحس، وطهارة القلب، ونبل الخلق، وتصعيد الأعمال كافة إلى الله سبحانه، وإفاضة المعنى الروحي على كل شيء في الوجود، وما يترقرق حول هذه المعاني، من أشواق ورياضات، وأذواق وإلهامات.
وفي قلب هذا الخضم، بانفعالاته المتوترة الحية، وبأفكاره المتدفقة المحلقة، وبأحداثه الثائرة المضطربة، وبترفه وشهواته الجامحة، برزت شخصية الحلاج لتحدث في الدنيا دويا، وتحدث في الجماهير سحرا، وتلقي على كل شيء مسته حياة وحرارة وانفعالا.
كان الحلاج عبقرية من تلك العبقريات الاستهوائية، التي يعرفها التاريخ في لحظاته الحاسمة.
وبلغ من عظمة هذه الشخصية؛ أنها غدت النبأ العظيم في آفاق التصوف والمعرفة، كما كانت النبأ العظيم في آفاق الإصلاح والثورة.
كان الحلاج يملك قوة روحية عالية، من تلك القوى التي يفيضها الله على من يشاء من عباده، وكانت تلك القوى الروحية تمنحه فيما تمنح، القدرة الموحية المؤثرة الصانعة في عواطف الناس وقلوبهم وأحاسيسهم، وتضفي عليه طاقة تلهم الآمال الكبار، لكل من يلوذ به، أو يدنو منه، بل لقد شهد أمناء أتقياء، بأنه كان يؤثر بروحانيته العجيبة، في الجماد والنبات والحيوان.
ومن هنا توهم أعداؤه فيه السحر والشعوذة، وتوهم أحبابه فيه القدرة الخارقة على صنع المعجزات، حتى لقد نسبوا إليه، إحياء الموتى، وبعث من في القبور!
ويحدثنا شيخ الصوفية الأكبر محيي الدين بن عربي في الباب الثالث والستين وأربعمائة من كتابه «الفتوحات المكية»: «إن الحلاج كان يدخل بيتا عنده يسميه بيت العظمة، فكان إذا دخله ملأه كله بذاته بأعين الناظرين، حتى إن بعض الناس ممن لا يعرف تطورات أحوال هذا المقام، نسبه إلى علم السيميا، لجهله بأحوال الفقراء في تطوراتهم.
ولما دخلوا عليه ليأخذوه للصلب، كان في ذلك البيت، فما قدر أحد أن يخرجه من ذلك البيت؛ لأن الباب يضيق عنه فجاء الجنيد، وقال له: سلم لله تعالى، واخرج لما اقتضاه وقدره، فرجع إلى حالته المعهودة. فخرج فصلبوه.»
ويقول صاحب «الفهرست»:
1 «حرك الحلاج يده يوما فانتثر على قوم مسك، وحرك مرة أخرى يده، فنثر دراهم.»
ويقول العلامة البغدادي:
2 «ووقع له عند الناس قبول عظيم، حتى حسده جميع من في وقته.»
ويهتف خلصاؤه وتلاميذه يوم صلبه: «لم يمت الحلاج بل ارتفع إلى السماء، وسيعود!»
لقد عجز الموت في أبشع صوره، وأقسى ألوانه، أن ينتزع الهالة الكبرى، التي تحيط بتلك الشخصية الضخمة الرائعة.
ويمشي سحر الحلاج وجلاله، وتأثيره القوي الغلاب، إلى رجال الاستشراق، فيتحدثون عنه كبطل أسطوري، من رجال الغنوص الشرقي
3
وكشخصية مكررة من شخصية المسيح عليه السلام جاء ليعيد مأساة جبل الجلجلة
4
وليكرر فكرة الفداء، فداء البشرية من الخطيئة الأولى.
ولكن هل حشدت الخلافة العباسية كل قواها لقتال الحلاج، وأعدت كل ما تملك من وسائل الجبروت الوحشي، والعنف البربري في عذابه ومحاكمته وصلبه، من أجل مواجيده وألحانه في الحب الإلهي، ومن أجل إلهاماته وفتوحاته، في مقامات الغناء الصوفي، وعجائبه وقدرته على الإيحاء والإلهام، وصنع الكرامات والمعجزات؟!
يقول المؤرخ الكبير صاحب «الفهرست»: «لقد كان الحلاج جسورا على السلاطين، يروم انقلاب الدول.»