تلك بعض الومضات التي تومئ إلى بعض جوانب الرسالة التي نهض بها الحلاج، والتي سنعرض لها بالتفصيل والبيان.
ولن يضير الحلاج، أن النجاح لم يكتب لرسالته، وأنه قدم حياته فداء لتلك الرسالة، فقد يكون الاستشهاد في سبيل الفكرة والعقيدة أسمى ألوان النجاح، وأعلى ضروب النصر.
أو كما يقول ابن أبي الخير في ملحمته الحلاجية: «إن الموت على مصلب الحلاج ميزة الأبطال.»
ويقول حافظ الشيرازي، شاعر التصوف الإسلامي، في إحدى قصائده: «إن تصلبني الليلة، فإن دمي يخط على الأرض - أنا الحق. مثل منصور الحلاج.»
ولما أراد جلال الدين الرومي، عبقري الشعر الفارسي الصوفي، أن يصعد بفريد الدين العطار، في معارج الحب الإلهي. وفي مجالات البطولة الخالدة قال: «إن روح الحلاج تجلت في العطار.»
ثم عقب بقوله: «لقد بلغ الحلاج قمة الكمال والبطولة، كالنسر في طرفة عين.»
لقد كانت تضحية الحلاج هي سر خلوده، فقد صعد الحلاج بتلك البطولة الفدائية إلى قمة الكمال كالنسر الجبار الجناح، وغدا في قلوب المتصوفة وعقولهم، محجة ومنارة ترشد إلى المثل الأعلى في إشراقاته وإلهاماته.
وأصبح الحلاج بهذا الاستشهاد الأسطوري الملهم الأكبر لمواجيد الشعراء وألحانهم وأغانيهم في الأفق الصوفي.
فهو في الشعر التركي، الولي الأكبر، وهو لدى الهنود: شهيد الحق. وهو الملهم الأول لعباقرة الشعراء الفارسيين العالميين، حافظ الشيرازي، وجلال الدين الرومي، وفريد الدين العطار.
وامتد إلهامه عبر القرون، فنشأت الفرق الصوفية الكبرى، على وقع نغماته ودعواته، وهدى تفكيره وآدابه، حتى إن البكتاشية التي هيمنت على تركيا وألبانيا، قرونا عديدة، ترجع في أصولها إلى الحلاجية.
يقول الدكتور عبد الوهاب عزام:
8 «فكان عند الصوفية ولا سيما صوفية العجم والهند، كالمسيح عند النصارى، واتخذوا كلماته شعارا ودثارا، وأشادوا بذكره، وجعلوه مثلا للصوفي الفاني في الله.»
ويقول المستشرق ماسنيون:
9 «إن أقوال الحلاج ترسم له حياة بعد موته، ذات طابع حضاري عميق، وأكثر صدقا من الناحية الاجتماعية، من الشهرة الأدبية التي نالتها نماذج، مثل الإسكندر أو قيصر لدينا في الغرب.»
ثم يقول: «كان الحلاج، نموذج الولي الذي مجده الشعب التركي المجاهد الذي أقبل على الإسلام في أعقاب مصرع الحلاج.»
ويتحدث فريد الدين العطار عن مدن العشق السبع، ثم يقول: «الحلاج ذلك الشهيد العالمي، الذي قدم للدنيا صورة الولاية الكبرى، وقد بلغت أوجها في تضحية حربية، مليئة بالرجولة، مليئة بالإلهام.»
ويستعرض ماسنيون الامتداد الروحي للحلاج. فيقول: إن دم الحلاج يعتبر بذرة روحية تضمن استمرار الإلهام لمحبيه. ثم يقول: «والحلاج يدعى في الدعوات الشخصية، خصوصا في بلاد الترك لوقف بكاء الأطفال الصغار، ولا يزال قبره التذكاري الخالي من رفاته الذي أقيم له في بغداد كعبة الزائرين.
والمزمار الرئيسي في الحفلات الموسيقية الروحية عند المولوية يدعى باسمه - نادي منصور.»
لقد كان الحلاج دائما يقول في دعواته: «يا معين الفناء علي أعني على الفناء.»
وسواء كان يقصد فناء الحب، أو فناء الامتداد الروحي، فقد استجاب الله الدعاء، فاستعصى الحلاج على الفناء، وحلق خالدا في آفاق الشهداء، وستبقى قطرات دمه بذرة روحية، تضيف في كل يوم إلى التصوف الإسلامي قوة ونماء.
وذلك خلود من ظفر بجوهرة الحب الإلهي، واستشهد في سبيلها.
| عصره وحياته
الفرس والتصوف
يقول عبقري الفكر الإسلامي، العلامة الفيلسوف البيروني: «العلم شجرة أصلها بمكة، وثمرها بفارس، وهي كلمة من الكلمات التي تلقي بالأضواء على التاريخ.»
لقد كان فجر البعث القرآني بأم القرى، وعلى قيثارة الوحي، تفتحت مشاعر العرب للهدى، فحملوا كلمات الله إلى آفاق الدنيا، يخرجون الناس من الظلمات إلى النور، ويهدون الإنسانية صراطا مستقيما.