وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين .»
ثم خرج الحلاج كما دخل، مرفوع الرأس، مشرق الوجه، مطمئن القلب، لقد أدى واجبه كاملا، وإنه لفي طريقه إلى القمة، القمة الشاهقة، قمة الاستشهاد في رداء من البطولة السامقة، بل في إشراقة متلألئة من المحبة المضحية. (2-8) الخليفة يعتمد الحكم
وخيم على القصر صمت مطبق، حزين مرتعد، لقد جاءت الساعة الحاسمة، وقلب الخليفة الذي طالما انتظر هذه اللحظة وتمناها، إنه ليخفق اليوم خفقات أقرب إلى الرعب منها إلى البهجة والنصر.
إن بغداد لترتعد غضبا لوليها، وإن رعدة الغضب لتوشك أن تنفجر، وإن في انفجارها لما يرعب الخليفة، ويمزق وجدانه، ويحرق قلبه.
يقول ماسنيون: «وأصيب الخليفة بالحمى في اليومين التاليين للحكم على الحلاج، وفي هذا الجو العاصف بذل نصر أمير البلاط ووالدة الخليفة سعيهما لدى الخليفة، فبدل حكم الإعدام.»
ويقول الخطيب البغدادي مصورا لهذه الفترة الحرجة
29 - على لسان زنجي: «وأبطأ الجواب يومين، فغلظ ذلك على حامد، ولحقه ندم على ما كتب به، وتخوف أن يكون قد وقع غير موقعه. ولم يجد بدا من نصرة ما عمله، فكتب بخط والدي رقعة إلى المقتدر بالله في اليوم الثالث، يقتضي فيها ما تضمنته الأولى، ويقول: إن ما جرى في المجلس قد شاع وانتشر، ومتى لم يتبعه قتل الحلاج افتتن الناس به، ولم يختلف عليه اثنان، ويستأذن في ذلك، وأنفذ الرقعة إلى مفلح، وسأله إيصالها، وتنجيز الجواب عنها، وإنفاذه إليه.»
ويقول ماسنيون:
30 «هنالك لوح حامد أمام الخليفة بشبح ثورة اجتماعية حلاجية، وراح يسعى للاتفاق مع كبير القواد مؤنس على الخلاص من الحلاج وأصدقائه.»
وتدخل مؤنس بنفوذه العسكري الكبير لدى الخليفة، وتحت إلحاحه المتواصل وقع الخليفة في تردد أمر الإعدام، ملقيا بتبعة دمه على القضاء.
يقول البغدادي:
31 «فعاد الجواب من المقتدر بالله - إلى حامد - بأن القضاة إذا كانوا قد أفتوا بقتله، وأباحوا دمه، فلتحضر محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة، وليتقدم إليه بتسليمه وضربه ألف سوط، فإن تلف تحت الضرب، وإلا ضرب عنقه.
فسر حامد بهذا الجواب، وزال ما كان عليه من الاضطراب، وأحضر محمد بن عبد الصمد، وأقرأه إياه، وتقدم إليه بتسلم الحلاج، فامتنع من ذلك، وذكر أنه يتخوف أن ينتزع منه، فأعلمه حامد أنه سيبعث معه غلمانه، حتى يصيروا به إلى مجلس الشرطة في الجانب الغربي.
ووقع الاتفاق على أن يحضر بعد عشاء الآخرة، ومعه جماعة من أصحابه، وقوم على بغال مؤكفة، يجرون مجرى الساسة - ويلبس الحلاج مثلهم ويدخل في غمارهم - حتى لا ينتزع، وأوصاه بأن يضربه ألف سوط، فإن تلف حز رأسه واحتفظ به، وأحرق جثته، وقال له حامد: إن قال لك أجري لك الفرات ذهبا وفضة، فلا تقبل منه، ولا ترفع الضرب عنه.
فلما كان بعد عشاء الآخرة، وافى محمد بن عبد الصمد إلى حامد، ومعه رجاله والبغال المؤكفة، فتقدم إلى غلمانه بالركوب معه، حتى يصل إلى مجلس الشرطة، وتقدم إلى الغلام الموكل به بإخراجه من الموضع الذي هو فيه، وتسليمه إلى أصحاب محمد بن عبد الصمد.
وأخرج الحلاج وأركب بعض تلك البغال، واختلط بجملة الساسة، وركب غلمان حامد معه حتى أوصلوه إلى الجسر ثم انصرفوا، وبات هناك محمد بن عبد الصمد ورجاله.» (2-9) ليلة المصرع!
عن إبراهيم بن شيبان قال:
32 «دخلت على ابن سريج القاضي يوم أفتوا في قتل الحلاج، فقلت: يا أبا العباس، ما تقول في فتوى هؤلاء في قتل هذا الرجل؟ قال: لعلهم نسوا قول الله تعالى:
أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله .»
ويقول الواسطي:
33 «قلت لابن سريج: ما تقول في الحلاج؟ قال: أما أنا أراه حافظا للقرآن، عالما به، ماهرا في الفقه، عالما بالحديث والأخبار والسنة، صائما الدهر، قائما الليل يعظ ويبكي.»