فإذا هو سلم علي وقال: من أين الفتى؟ قلت: من شيراز، فسألني عن مشايخها فأخبرته، وسألني عن مشايخ بغداد فأخبرته، فقال: قل لأبي العباس احتفظ بتلك الرقاع،
21
ثم قال: كيف دخلت؟ فأخبرته ... فدخل أمير الجيش يرتعد، فقال له: ما لك؟ قال: سعي بي إلى أمير المؤمنين بأني أخذت رشوة، وخليت أميرا من الأمراء، وجعلت مكانه رجلا من العامة، وها أنا ذا أحمل لتضرب عنقي! فقال: امض لا بأس عليك، فذهب الرجل، وقام الشيخ إلى صحن الدار، وجثا على ركبتيه، ورفع يديه، وأشار بمسبحته إلى السماء، وقال: يا رب، ثم طأطأ رأسه حتى وضع خده على الأرض، وبكى حتى ابتلت الأرض من دموعه، وصار كالمغشي عليه.
وبينما هو على تلك الحال، دخل أمير الجيش، فقال: عفي عني. قال ابن خفيف: وكان الحلاج جالسا في طرف الصفة، وفي آخر الصفة منشفة، وكان طول الصفة خمس أذرع، فمد يده وأخذ المنشفة، فلا أدري أطالت يده، أم جاء المنديل إليه، فمسح وجهه بها، فقلت: هذا من ذاك.»
ويقول زنجي - أكبر رواة محاكمة الحلاج، وصديق الوزير حامد:
22 «كنت يوما وأبي بين يدي حامد، ثم نهض من مجلسه وخرجنا إلى دار العامة، وجلسنا في رواقها، وحضر هارون بن عمران الجهبذ فجلس بين يدي أبي ولم يحادثه، فهو في ذاك إذ جاء غلام حامد الذي كان موكلا بالحلاج، وأومأ إلى هارون بن عمران أن اخرج إليه، فنهض من المجلس مسرعا، ونحن لا ندري ما السبب. فغاب عنا قليلا، ثم عاد وهو متغير اللون جدا، فأنكر أبي ما رآه منه، وسأله عنه، فقال: دعاني الغلام الموكل بالحلاج، فخرجت إليه، فأعلمني أنه دخل إليه ومعه الطبق الذي رسم أن يقدمه إليه في كل يوم، فوجده ملأ البيت من سقفه إلى أرضه، وملأ جوانبه، فهاله ما رأى من ذلك، ورمى بالطبق من يده، وخرج من البيت مسرعا، وإن الغلام ارتعد وانتفض وحم! وبقي هارون يتعجب من ذلك.»
ويقول الخطيب البغدادي:
23 «وبلغ حامدا من بعض أصحاب الحلاج أنه ذكر أنه دخل عليه إلى الموضع الذي هو فيه، فخاطبه بما أراده، فأنكر ذلك كل الإنكار.
وتقدم بمسألة الحجاب والبوابين، وقد كان رسم أن لا يدخل إليه أحد، وضرب بعض البوابين، فحلفوا بالأيمان المغلظة أنهم ما أدخلوا أحدا من أصحاب الحلاج إليه، ولا اجتاز بهم، وتقدم يتفقد السطوح، وجوانب الحيطان، فتفقدوا ذلك أجمع، ولم يوجد له أثر ولا خلل. فسأل الحلاج عن دخول من دخل إليه، فقال: من القدرة نزل، ومن الموضع الذي نزل إلي منه خرج!» (2-5) اتجاهات هادفة في قضية الحلاج
رأى حامد أن قضية الحلاج قد تحولت إلى مظاهرة سياسية ودينية كبرى، مظاهرة أصبح بطلها الوحيد هو الحلاج، وأن المحاكمة قد تحولت أو كادت إلى ما يشبه التكريم الرائع لبطل ولي، جنت الجماهير بحبه وتقديره، وسبح خيال هذه الجماهير يجري مبهور الأنفاس، خلف بطولته وكراماته.
وامتد سحر الحلاج إلى أكبر رأس بين الحنابلة - ابن عطاء - وإلى أرفع رأس بين المعتزلة - ابن عفيف - فلم يكتفوا بتأييد الحلاج، بل قدموا أرواحهم فداء له.
وإذن فيجب أن يحدث انقلاب سريع هادف في سير القضية، فلم تعد التهم السابقة تكفي لإدانة الحلاج، وتحطيمه وتشويه مكانته وقداسته.
ودبر الأمر بليل، ومن ثم قامت حملات بوليسية ضخمة للإرهاب العام، حملات تفاجئ كل بيت من بيوت أنصار الحلاج وأعوانه، بدعوى البحث عن كتبه وآثاره.
ودبت حياة جديدة في القضية، وتهيأ المسرح للمرحلة الحاسمة.
يقول الخطيب البغدادي:
24 «جد حامد في طلب أصحاب الحلاج، وأذكى العيون عليهم وفتش منازلهم، وحصل في يده منهم: حيدرة، والسمري، ومحمد بن علي القنائي، والمعروف بأبي المغيث الهاشمي. واستتر المعروف بابن حماد وكبس منزله، وأخذت منه دفاتر كثيرة، وكذلك من منزل محمد بن علي القنائي، في ورق صيني، وبعضها مكتوب بماء الذهب، مبطنة بالديباج والحرير، مجلدة بالأديم الجيد.»