تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم يقول: «وكان في الكتب الموجودة عجائب من مكاتباته أصحابه النافذين إلى النواحي، وتوصيتهم بما يدعون الناس إليه وما يأمرهم به، من نقلهم من حال إلى حال، ومرتبة إلى مرتبة ، حتى يبلغوا الغاية القصوى، وأن يخاطبوا كل قوم على حسب عقولهم وأفهامهم، وعلى استجابتهم وانقيادهم، وجوابات لقوم كاتبوه بألفاظ مرموزة، لا يعرفها إلا من كتبها ومن كتبت إليه، ومدارج فيها ما يجري هذا المجرى، وفي بعضها سورة فيها اسم الله تعالى، مكتوب على تعويج، وفي داخل ذلك التعويج مكتوب «علي عليه السلام»، كتابة لا يقف عليها إلا من تأملها.»

وإذن فقد أخذت الاتهامات الجديدة تتجه اتجاها سياسيا غامضا.

والغموض هنا عن قصد، وعن عمد، حتى يسبح الخيال ما شاء في الاتهام، ويوجهه إلى كل هدف وأفق.

فالحلاج في هذا الاتهام الجديد له أصحاب وأتباع، أنفذهم إلى كل ناحية من أنحاء العالم الإسلامي، ودربهم وزودهم بما يدعون الناس إليه!

والدعوة الحلاجية منظمة تنظيما سياسيا وروحيا بارعا، ومن أدلة هذا التنظيم الروحي أن الحلاج يباشر قلوب أتباعه بالتربية والإلهام، ثم ينقلهم في الطريق الروحي الصاعد من حال إلى أخرى، ومن مرتبة إلى مرتبة، حتى يبلغوا الغاية القصوى من الكمال، أو من الفناء، أو من الاتحاد والحلول!

ومن أدلة التنظيم السياسي الهادف أن الحلاج قد أمر أتباعه أن يستعملوا الحكمة في دعوتهم السياسية فيخاطبوا كل قوم على حسب عقولهم وأفهامهم، وعلى قدر استجابتهم وانقيادهم.

وخطابات هؤلاء الدعاة مرموزة، لا يعرفها إلا من كتبها أو من كتبت إليه.

وكلمة علي - عليه السلام - هنا تصلح لاتهام الحلاج بمناصرة الشيعة، أو بتأييد القرامطة، أو بالتهمتين معا.

أما الدليل الحاسم الناطق على هذا الاتهام العريض فلا حاجة إليه؛ لأن الخطابات قد كتبت بالرمز، والرمز لا يفهمه ولا يفقهه إلا من كتبه أو من أرسل إليه، وهذا أعجب اتهام عرفه التاريخ!

فإذا استقام هذا الاتهام العجيب في نظر حامد وأعوانه فليمض الاتهام إلى وجهة أخرى ... إلى النيل من قداسة الحلاج الدينية، ومكانته الروحية.

يقول الخطيب البغدادي وهو يواصل الحديث عن القضية:

25 «وحضرت مجلس حامد - الرواية على لسان زنجي وهو أحد شهود المحاكمة - وقد أحضر سفط خياذر لطيف، حمل من دار محمد بن علي القنائي - أكبر ظني - فتقدم بفتحه ففتح، فإذا فيه قدر وقوارير فيها شيء يشبه لون الزئبق، وكسر خبز جافة، وكان السمري حاضرا جالسا بالقرب من أبي، فعجب أبي من تلك القدر، وتصييرها في سفط مختوم، ومن تلك القوارير - وعندنا أنها أدهان - ومن كسر الخبز.

وسأل حامد السمري عن ذلك، فدافعه عن الجواب، واستعفاه منه، وألح عليه في السؤال، فعرفه أن تلك القدر رجيع الحلاج! وأنه يستشفي به، وأن الذي في القوارير بوله، فعرف حامد مقاله، فعجب منه من كان في المجلس!

واتصل القول في الطعن على الحلاج ... وأقبل أبي يعيد ذكر تلك الكسر ويتعجب منها، ومن احتفاظهم بها، حتى غاظ السمري ذلك، فقال له: هو ذا، أسمع ما تقول، وأرى تعجبك من هذه الكسر، وهي بين يديك، فكل منها ما شئت، ثم انظر كيف يكون قلبك للحلاج بعد أكلك ما تأكله منها، فتهيب أبي أن يأكلها، وتخوف أن يكون فيها سم.

وأحضر حامد الحلاج وسأله عما كان في السفط، وعن احتفاظ أصحابه برجيعه وبوله! فذكر أنه شيء ما علم به ولا عرفه.» (2-6) الكلمة القاتلة!

وعجزت هذه الاتهامات أيضا عن تحقيق الغرض منها، وشعر القضاة رغم التعليمات الصادرة إليهم بعجزهم عن إصدار حكم الإدانة القاتل؛ فعيون العلماء والفقهاء والصوفية ترقبهم، وصيحات الجماهير الغاضبة تخترق آذانهم، وفي أعماق قلوبهم يضج ضميرهم ويتمرد!

والوزير حامد وعصبته من وراء هذا كله، يمزقهم الغضب المرعد المجنون، ويقتلهم الحقد الأسود المرير، وقصر الخليفة يرقب المأساة، وقد تمزق أحزابا وشيعا.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٤٥