قال زنجي: «وأقامت هذه المرأة معتقلة في دار حامد إلى أن قتل الحلاج.»
واستطاع الحلاج في بساطة أن يزيف هذه الشهادة، ولم تستطع ابنة السمري أن تقدم دليلا واحدا على صدقها، وهز القضاة رءوسهم، رغم تهديد حامد لهم، وقالوا: لا نصدر حكما بناء على أقوال امرأة، لا تملك دليلا.
وأخذ الوزير حامد يحضر الحلاج كل يوم إلى المحكمة، مكبلا بالقيد، محاطا بالجند، ويبدأ الجدل والحوار، ويحاول حامد أن يجد في كلام الحلاج منفذا أو سقطة - كما يقول ابن كثير - فأعجزه ذلك.
وتتابعت الأيام، وتوالت الشهور، وشاهد يأتي وشاهد يذهب، والحلاج كالجبل الأشم، تتساقط على أقدامه اتهامات المبغضين، ويذوب أمام بيانه وإيمانه جدل المجادلين؛ بل لقد استطاع الحلاج في محنته أن يكتسب كل يوم أنصارا أقوياء، وعلماء أجلاء. (2-3) بطولة ابن عفيف
وقصة محمد بن عفيف مع الحلاج تقدم لنا صورة مشرقة من انتصارات الحلاج الروحية العجيبة؛ فقد أرسله إليه الخليفة في سجنه ليجادله، وكان ابن عفيف كما يقول - ماسنيون - أشعريا متطرفا، وعالما لا يثبت لجدله أحد من الناس.
يقول ابن عفيف: إنه دخل على الحلاج فرأى نورا يتلألأ على جبينه، ووجد اطمئنانا يشيع الأمن والسلام في كل شيء يحيط به، حتى لقد خيل إليه أن غرفة الحلاج في سجنه قطعة من الجنة. ورأى عالما على كلامه إشعاع ليس من علم الأرض، فقبل يد الحلاج ورأسه، وهتف: لم أر في حياتي عالما ربانيا سوى هذا الشهيد، وأبى أن يفارق حجرة السجن، وطلب أن يبقى معه؛ ليقاسمه ما يلقى، وعجزت سياط الجلادين عن إقناعه.
يقول ابن كثير: «فحمل بالقوة إلى حجرة أخرى، وعلق من قدميه إلى السقف.»
وانصب على ابن عفيف جانب ضخم من الهول الذي ذاقه الحلاج، وكان يقول: حسبي أن أشارك عبدا ربانيا في عذابه، وظل معه في سجنه يقاسمه الألم والعذاب، حتى يوم مصرعه الرهيب. (2-4) عجائب الحلاج في سجنه
وبينما هذه المهزلة الرسمية تجري، وبينما قلب بغداد يخفق لها، وأذن العراق تستمع إليها.
أخذت أحداث أخرى تجري في سجن الحلاج، أحداث شقت طريقها إلى قلب بغداد، فألهته حتى عن المحاكمة، ونفذت إلى أذن العراق، فأطربته وأذهلته، وطارت باسم الحلاج في الخافقين.
تلك الأحداث التي ألقى الناس إليها بأسماعهم هي عجائب الحلاج وسحره إن شئت، وكراماته وآياته إن أحببت.
آيات سجلها التاريخ، ومن العجيب حقا أنها سجلت بأقلام خصومه، لقد أذهلتهم حتى لم يستطيعوا حجبها أو محوها من ذاكرة التاريخ، كما استطاعوا أن يحجبوا وأن يمحوا الكثير من سيرة الحلاج وتراثه وأيامه.
يقول أحمد بن فاتك:
19 «لما حبس الحلاج ببغداد كنت معه، فأول ليلة جاء السجان وقت العتمة، فقيده ووضع في عنقه سلسلة، وأدخله بيتا ضيقا، فقال له الحسين: لم فعلت بي هذا؟ قال: كذا أمرت. فقال له الحلاج: الآن آمنت مني؟ قال: نعم، فتحرك الحلاج فتناثر الحديد عنه كالعجين، وأشار بيده إلى الحائط فانفتح فيه باب، فرأى السجان فضاء واسعا، فعجب من ذلك، ثم مد الشيخ يده، وقال: الآن افعل ما أمرت به، فأعاده كما فعل أول مرة، فلما أصبح أخبر السجان الخليفة المقتدر بذلك فتعجب، وتعجب الناس.»
ويقول محمد بن عفيف:
20 «لما رجعت من مكة ودخلت بغداد، أردت أن ألقى الحسين بن منصور، وكان محبوسا قد منع الناس عنه، فاستعنت معارفي وكلموا السجان، وأدخلني عليه، فدخلت السجن والسجان معي، فرأيت دارا حسنة، ورأيت في الدار مجلسا حسنا، وفرشا حسنا، وشابا قائما كالخادم، فقلت له: أين الشيخ؟ فقال: مشغول بشغل. فقلت: ما يفعل الشيخ إذا كان جالسا ها هنا؟ قال: ترى هذا الباب، هو إلى حبس اللصوص والعيارين، يدخل عليهم ويعظهم فيتوبون. فقلت: من أين طعامه؟ فقال: تحضره كل يوم مائدة عليها ألوان الطعام، فينظر إليها ساعة، ثم ينقرها بإصبعه، فترفع ولا يأكل، فإذا الحلاج قد خرج إلينا، فرأيته حسن الوجه، لطيف الهيئة، عليه الهيبة والوقار.