تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقال أبو العباس: اللهم اقتله أخبث قتلة، واقطع يديه ورجليه! فمات أبو العباس بعد ذلك بسبعة أيام.

وقتل الوزير حامد بن العباس، أفظع قتلة وأوحشها - بعد قتل الحلاج - بعد أن قطعت يداه ورجلاه، وأحرق داره، وكانوا يقولون: أدركته دعوة أبي العباس بن عطاء.»

16 (2-2) شهود القضية

وفي هذا الجو النفسي الرهيب جيء بالشهود، وكان الشاهد الأول هو السمري، وكان في ماضيه من أتباع الحلاج ثم انشق عليه.

يقول صاحب «تاريخ بغداد»:

17

وأحضر حامد السمري صاحب الحلاج، وسأله عن أشياء من أمر الحلاج، وقال له حدثني بما شاهدته منه.

فقال له: إن رأى الوزير أن يعفيني فعل! فأعلمه أنه لا يعفيه، وعاد وسأله عما شاهده، فعاود استعفاءه، وألح عليه في السؤال، فلما تردد القول بينهما قال: أعلم أني إن حدثتك كذبتني، ولم آمن مكروها يلحقني، فوعده أن لا يلحقه مكروه، فقال: كنت معه بفارس، فخرجنا نريد إصطخر في زمن شات، فلما صرنا في بعض الطريق، أعلمته بأني قد اشتهيت خيارا، فقال لي: في هذا المكان! وفي مثل هذا الوقت من الزمان؟ فقلت: هو شيء عرض لي.

ولما كان بعد ساعات، قال لي: أنت على تلك الشهوة؟ فقلت: نعم.

قال: وسرنا إلى سفح جبل ثلج، فأدخل يده فيه، وأخرج إلي منه خيارة خضراء ودفعها إلي!

فقال له حامد: فأكلتها؟ قال: نعم. فقال له: كذبت يا ابن مائة ألف زانية، في مائة ألف زانية، أوجعوا فكيه؟! فأسرع الغلمان إليه، فامتثلوا ما أمرهم به، وهو يصيح : أليس من هذا خفنا؟!

ثم أمر به فأقيم من المجلس، وأقبل حامد يتحدث عن قوم من أصحاب النيرنجات، كانوا يعدون بإخراج التين وما يجري مجراه من الفواكه، فإذا حصل ذلك في يد الإنسان، وأراد أن يأكله صار بعرا.

وهكذا ضرب الشاهد وكذب، كما ضرب الفقيه العالم وكذب من قبل.

وأصبح حامد الغاضب الثائر هو المحكمة كلها، لا يتكلم سواه، ولا يحكم غيره، إنه وحده الذي يملك دماء الناس وأعراضهم وكرامتهم!

وإذا كان السمري لم يؤد الشهادة كما يجب، وكما اتفق من قبل، فإن ابنته ألين عريكة، وقلبها يهفو إلى كل إغراء مادي ... وحامد ملء يديه الآمال والإغراء.

وجيء بابنة السمري.

يقول زنجي - أكبر رواة المحاكمة، وقد حضرها بنفسه وعاش أحداثها:

18 «وحضرت بنت السمري، فسألها حامد عن الحلاج، فذكرت أن أباها السمري حملها إليه، لتخدمه وهو يسكن دار الخليفة، وأنها لما دخلت عليه، وهب لها أشياء كثيرة، عددت أصنافها، منها ريطة خضراء.

وقال لها: قد زوجتك من ابني سليمان، وهو أعز ولدي علي، وهو مقيم بنيسابور.

وليس يخلو أن يقع بين المرأة وزوجها خلاف، أو تنكر منه حالا من الأحوال، وقد أوصيته بك، فمتى جرى شيء تنكريه من جهته، فصومي يومك، واصعدي آخر النهار إلى السطح وقومي على الرماد واجعلي فطرك عليه، وعلى ملح جريش، واستقبلي بوجهك، واذكري لي ما أنكرتيه منه، فإني أسمع وأرى.

قالت: وكنت ليلة نائمة في السطح، وابنة الحلاج معي في دار السلطان، وهو معنا.

فلما كان في الليل أحسست به وقد غشيني، فانتبهت مذعورة منكرة لما كان منه، فقال: إنما جئتك لأوقظك للصلاة، ولما أصبحنا نزلت إلى الدار ومعي بنته، ونزل هو، فلما صار على الدرجة، بحيث يرانا ونراه، قالت بنته: اسجدي له. فقلت لها: أويسجد أحد لغير الله؟ وسمع كلامي لها، فقال: نعم إله في السماء، وإله في الأرض.

قالت: ودعاني إليه، وأدخل يده في كمه، وأخرجها مملوءة مسكا، فدفعه إلي، وفعل هذا مرات، ثم قال لي: اجعلي هذا في طيبك، فإن المرأة إذا حصلت عند الرجل احتاجت إلى الطيب.

قالت: ثم دعاني وهو جالس في بيت البواري، فقال: ارفعي جانب البارية وخذي من تحته ما تريدين، وأومأ إلى زاوية البيت فجئت إليها ورفعت البارية، فوجدت الدنانير تحتها مفروشة ملء البيت، فبهرني ما رأيت من ذلك.»

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٤٢