تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبفضل مؤازرة كبير القواد مؤنس، وبفضل رجل آخر هو أبو بكر بن مجاهد، شيخ الحفاظ، وله كلمة مسموعة في بغداد، ومن خصوم الحلاج الألداء.

بهؤلاء الأنصار الأقوياء، نجح حامد في مؤامرته، واستطاع إقناع الخليفة بمؤازرته.

11

وصدرت أوامر الخليفة تترى، وبمقتضى هذه الأوامر منع ابن عيسى من النظر في قضية الحلاج، ومنع نصر القشوري من حراسته.

ثم منحت كل هذه الاختصاصات إلى حامد، الخصم الألد الخصام، الذي عاد إلى الوزارة ليستأنف سياسته المالية القاسية، وليعيد إلى المسرح محاكمة الحلاج.

ورددت محافل بغداد أن الحلاج في طريقه إلى المحاكمة الفاصلة.

وثارت جماهير بغداد، وتزعم الثورة صديق الحلاج الأمين ابن عطاء، كبير علماء الحنابلة وزعيمهم.

يقول ماسنيون: «وهتف الثوار ضد الوزير حامد بن العباس في شوارع بغداد، من أجل الاحتجاج ضد سياسته المالية، ومن أجل إنقاذ الحلاج معا.»

وجاءت الفرصة الذهبية لحامد، فمنح من الخليفة تفويضا كاملا بقمع الثورة، وبمحاكمة الحلاج والقضاء عليه.

ودبر أمر الحلاج بليل، وصدرت الأوامر حاسمة بسجن الحلاج سجنا حقيقيا قاسيا، وتكبيله بالأغلال والقيود.

يقول السلمي: سمعت عبد الواحد بن علي يقول: سمعت فارسا البغدادي يقول: لما حبس الحلاج، قيد من كعبه إلى ركبته بثلاثة عشر قيدا، وكان يصلي مع ذلك كل يوم وليلة ألف ركعة.

12

وأعد للقضية شهودها، كما صنعت وثيقة الاتهام فيها، وكانت كما يلي: (1)

مراسلاته السرية مع القرامطة. (2)

اعتقاد أتباعه بألوهيته. (3)

قوله: أنا الحق ...

يقول ماسنيون:

13 «ولعل بغداد كانت في ذلك الحين أكبر عاصمة في العالم المتمدين ... وهناك جرت المحاكمة، على منصة مرتفعة، كما حدث بالنسبة لجان دارك في قضية الحب الإلهي.

جرت في الإطار الفخم الذي يمثله قصر الخليفة العباسي، من سنة 308ه / 921م إلى سنة 309ه / 922م.

وجيء بالحلاج أمام هذه المنصة الفخمة العالية، وفي يديه ورجليه ثلاثة عشر قيدا، وانتشر الجند في كل مكان بالسلاح، وقبض على أنصار الحلاج بالجملة، وابتدأت حملات متتابعة قاسية لإرهاب الجماهير في بغداد.

واحتشد في ساحة الجلسة خصوم الحلاج جميعا، من كل لون ومذهب.» (2-1) قتل ابن عطاء!

وبدأت المحاكمة بأعجب حادث في تاريخ القضاء، بدأت بإعدام زعيم ديني، لم تعقد المحكمة لمحاكمته، ولم يوجه إليه اتهام، ذلك هو زعيم علماء الحنابلة، أبو العباس بن عطاء.

لقد أراد الوزير حامد أن يبث في ساحة القضاء الخوف، وأن يشيع فيها الرعب، وأنه يمنع كلمة الحق بضربة عنيفة، فيها نذير وإرهاب ووعيد، وشاء الله سبحانه أن يكون ابن عطاء هو كبش الفداء.

يقول الحافظ الخطيب البغدادي:

14 «أنبأنا إسماعيل بن أحمد الحيري، أنبأنا أبو عبد الرحمن الشبلي، قال: سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: «كان الوزير حامد بن العباس، حين أحضر الحسين بن منصور، أمره أن يكتب اعتقاده! فكتب اعتقاده، فعرضه الوزير على الفقهاء ببغداد، فأنكروا ذلك.»

15

فقيل للوزير: إن أبا العباس بن عطاء يصوب قوله، فأمر أن يعرض ذلك على أبي العباس بن عطاء فعرض عليه، فقال: هذا اعتقاد صحيح، وأنا أعتقد هذا الاعتقاد، ومن لا يعتقد هذا فهو بلا اعتقاد.

فأمر الوزير بإحضاره فأحضر، وأدخل عليه، فجلس في صدر المجلس، فغاظ الوزير ذلك.

ثم أخرج ذلك الخط، فقال: هذا خطك؟ فقال: نعم، فقال: تصوب مثل هذا الاعتقاد؟

فقال: ما لك ولهذا؟ عليك بما نصبت له من أخذ أموال الناس، وظلمهم وقتلهم، ما لك وبكلام هؤلاء السادة.

فقال الوزير: فكيه! فضرب فكاه! فقال أبو العباس: اللهم إنك سلطت هذا علي عقوبة لدخولي عليه!

فقال الوزير: خفه يا غلام، فنزع خفه، فقال: دماغه، فما زال يضرب رأسه حتى سال الدم من منخريه.

ثم قال: الحبس، فقيل يتشوش العامة لذلك، فحمل إلى منزله.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٤١