جاء في روضة المريدين لابن يزد إنيار: «سئل الحلاج وهو في سجنه عن التصوف، فقال: طوامس وروامس اللاهوتية! فقال السائل: أفصح في هذا المعنى. فقال: لا عبارة عنه. فقلت: لم أظهرته؟ فقال: يعلمه من يعلمه، ويجهله من يجهله. فقلت: أسألك بالله إلا فهمتني، فأنشأ يقول:
لا تعرض بنا فهذا بنان
قد خضبناه بدم العشاق»
وسئل عن الصوفي فقال: «من أشار إليه فهو متصوف، ومن أشار عنه فهو صوفي.»
وقال في مرة أخرى عن الصوفي: «إنه وحداني الذات، لا يقبل أحدا ولا يقبله أحد.»
وقال: «معنى الخلق العظيم، ألا يؤثر فيه جفاء الخلق بعد مطالعة الحق .»
وقال: «إذا استوى الحق على سر عبد، ملك الأسرار، فيعاينها ويخبر عنها.»
وقال: «من أسكرته أنوار التوحيد حجب عن عبادة التجريد.»
وقال: «من خاف من شيء سوى الله، أو رجا سواه، أغلق عليه أبواب كل شيء، وسلط عليه المخافة، وحجب بسبعين حجابا، أيسرها الشك.»
وقال: «لا يجوز لمن يرى غير الله أن يدعي أنه يعرفه.»
8
وزاره الشبلي في سجنه، فوجده جالسا يخط في التراب، فجلس بين يديه حتى ضجر، فرفع الحلاج طرفه إلى السماء، وقال: «إلهي لكل حق حقيقة، ولكل خلق طريقة، ولكل عهد وثيقة، ثم قال: «يا شبلي من أخذه مولاه عن نفسه، ثم أوصله إلى بساط أنسه، كيف تراه؟»
فقال الشبلي: وكيف ذاك؟
فقال الحلاج: يأخذه عن نفسه، ثم يرده على قلبه، فهو عن نفسه مأخوذ، وعلى قلبه مردود، فأخذه عن نفسه تعذيب، ورده إلى قلبه تقريب، طوبى لنفس كانت له طائعة، وشموس الحقيقة في قلوبها طالعة! ثم أنشد:
9
طلعت شمس من أحبك ليلا
فاستضاءت فما لها من غروب
إن شمس النهار تغرب باللي
ل وشمس القلوب ليس تغيب»
واستمرت هذه الحياة ثماني سنوات، استطاع الحلاج خلالها رغم سجنه ورغم مصادرة حريته، أن يوجه الأحداث في بغداد، ويحرك تاريخها.
لقد استطاع طوال هذه السنوات أن يواجه الحرب في كل ميدان، وأن يحمي صديقه نصر القشوري، وأن يبقيه في القصر وفي الحكم أيضا.
كما استطاع أن يدخل في الوزارة دائما صديقه ابن عيسى، وأن يدفع بالقنائيين أحبابه وتلاميذه وحزبه، إلى الصدارة حينا، وإلى كراسي الوزارة أحيانا.
كما استطاع الحلاج، أن يبعد خصمه الأكبر حامد عن الصدارة، وعن الوزارة، رغم صلاته الكبرى بالخليفة، ورغم نفوذه الضخم في الدوائر الأرستقراطية، ولدى الشيعة، وعمال الخراج، ورجال المال.
وبجانب هذا وذاك كان الحزب العسكري يهادن الحلاج ولا يبارزه الخصومة، بل كان في أكثر من موقف يصادقه، ويمد يده إليه. (2) المحاكمة الكبرى
وفي نهاية عام 308ه عاد مؤنس التركي - كبير القواد العسكريين - إلى بغداد، بعد أن أنقذ دولة العباسيين في مصر من الفاطميين في المغرب .
ويصور لنا المستشرق ماسنيون تلك الحقبة الحاسمة من التاريخ، وأثرها في قضية الحلاج وحياته، تلك الحقبة التي انقلبت فيها السياسة العسكرية العامة فجأة، فأنجبت مسائل صغيرة من الصراع السياسي، نتائج خطيرة، بعيدة المدى في التاريخ.
يقول ماسنيون: استفاد حامد من عودة مؤنس كبير القواد إلى بغداد، كما استفاد من الأحداث نفسها.
فبعد أن أنقذ مؤنس مصر من الفاطميين، كان عليه أن يحمي إيران ضد تهديد الديلميين، الذين دخلوا الري بفضل واليها - الفارسي - أخ صعلوك مساعد مؤنس سابقا، وكان دائما في حماية نصر وابن عيسى - أصدقاء الحلاج.
فعرض حامد على مؤنس ضرورة القضاء على أخ صعلوك، ولما كان هذا أميرا سامانيا، فلا بد من مجانبة الوزير الساماني، وهو - البلعمي - وهو شافعي من أنصار الحلاج.
10
ومثل هذا القلب في الاتجاه السياسي يقتضي التشديد في زيادة الضرائب، ولن يوافق الخليفة على هذا، إلا إذا تخلى عن ثقته بابن عيسى ونصر القشوري.
فلكي يقضي حامد على كليهما، ويبلغ غرضه، قرر استئناف النظر في قضية الحلاج صديقهما.