أليس هو صاحب نظرية القطب الزعيم الحاكم؟ أليس هو المنادي بحكومة الأقطاب والأولياء، التي يحبها الله ويرضى عنها؟
أليس يجمع حوله الكتاب والشعراء والصوفية ورجال الفكر، ومن وراء هؤلاء جميعا جماهير بغداد، ثم أليس الحلاج هو الولي الأكبر، والمنقذ الأعظم عند هذه الجماهير؟!
وزاد الهمس في أذن الخليفة، وزادت الاتهامات وتضخمت، حتى أرعبت الخليفة، وأنسته نفسه، وأنسته صداقته للحلاج، واستضافته له.
وابتدأ الخليفة يضيق بالحلاج، ويعطي له وجها غير وجهه الأول، وابتدأ خصوم الحلاج في القصر يوسعون نطاق مؤامراتهم، ويمدون حبالهم إلى خارج القصر، ليشركوا معهم الخصوم التاريخيين للحلاج.
واستدعي إلى القصر، المهرة المدربون على الهمسات والشائعات، ولكن مكانة الحلاج الشعبية كانت دائما ترهب خصومه، وتنال من اندفاعهم، إن له لقداسة وسحرا لا يقاومان بين العامة.
ومن هنا ابتدأ التفكير في تحطيم هذه الهالة الشعبية، وتمزيق هذه القداسة الدينية.
وفكر رجال القصر وقدروا، ثم فكروا وقدروا، فاهتدوا إلى سلاح تاريخي رهيب، جرب فأثبت صلاحيته وإيجابيته.
يجب أن يحارب الحلاج باسم الدين وبسلاحه، لقد شاد مكانته السابقة لدى الجماهير باسم الدين والقداسة الروحية، فيجب إذن أن يحطم باسم الدين، وباسم الدفاع عن القداسة والمقدسات الروحية!
ومن ثم بدأت حملة من أكبر حملات التزييف في التاريخ، حملة انقلبت إلى عاصفة لا تزال ريحها تدوي عبر القرون، تتهم الحلاج بالمروق والإلحاد، والحلول والاتحاد، وغير هذا وذاك من المسميات والنعوت!
وأخذ سيل من الرسائل والكتب يتدفق من الأقلام المأجورة لمهاجمة الحلاج! وابتدأ الدساسون يحرفون كلمه عن مواضعه، وينسبون إليه ما لم يقله.
بل ابتدءوا يجمعون ويدربون الشهود الزور، الذين سيتقولون الإفك، ويشهدون على الحلاج يوم محاكمته.
يقول ماسنيون: «وساهم في المعركة كثير من رجال الدين، حتى المعتزلة شاركوا فيهاحسدا للحلاج، فروجوا في القصر ردا على كرامات الحلاج، رسالة - للأوارجي - تصف شعبذة الحلاج وحيله.»
11
ويقول نيكلسون: «لقد اشترك في المعركة ضد الحلاج مزيج عجيب من المرتشين والقوادين والزنادقة ومستغلي النفوذ.»
ثم أخذت آفاق السياسة العامة للعراق تضطرب، وأخذت أحزابه تتصارع وتتقاتل، وعلى قمة هذا الصراع، بدأت محاكمة الحلاج ومأساته.
| محاكمات الحلاج
رأى الحلاج أن دعوته قد تعرضت للخطر، وأن منهجه الإصلاحي أصبح في مهب العاصفة، وأن الساعة الحاسمة تقترب من القمة.
لقد تغير عليه قلب الخليفة، وتجرأ خصومه في القصر وخارجه، وأعلنوها بغضاء سافرة، وبدأت نذر العاصفة تطرق عليه الأبواب.
كما أدرك في جلاء مبين، أن أساليبه السلمية التي استهدف بها تحقيق رسالته، عن طريق القصر وصداقات القصر، أصبحت لا تحقق هدفا، ولا تملك أملا.
فأخذ يحرك أتباعه من الوزراء وقادة الجيش، ليتخذوا موقفا إيجابيا في مقاومة فساد الحكم وانحرافه عن رسالة الإيمان والدين.
كما أخذت رسائله تتوالى على أنصاره من العلماء والأدباء، يعدهم ويعبئهم للمعركة السافرة، وعادت اتصالاته بالجماهير تتسع وتقوى، يحرك وجدانهم، ويثير مشاعرهم، ويلهب فيهم روح المقاومة ضد ما يتعرضون له من استغلال، وما يلقون من هوان.
يقول المستشرق ماسنيون:
1 «ولقد قامت في ذلك الحين بين العلماء رغبة عامة في إصلاح الأداة الإدارية، وطالبوا بإقامة خلافة إسلامية حقا، ووزارة تحكم بالعدل بين الناس، خصوصا في مسائل الخراج والضرائب - ضد مفاسد عمال الخراج الشيعة من خصوم الحكم الوراثي - وخلافة شاعرة بمسئوليات وظيفتها أمام الله، مما يجعل الله يرضى عن قيام المسلمين بفروض دينهم - من صلاة وحج وصيام - وكان الأمل معقودا على الحلاج في العمل بهذا السبيل، في الوقت الذي توقع فيه الحلاج، قرب مصادرة حريته من جانب أعدائه وأصدقائه.»