إن استشهاده في سبيلهما، لهو صورة إيمانه، وآية صدقه، وصراط قربه، وعلامة قبوله عند ربه.
بل لقد راح في نشوة روحية عالية، يتنبأ بمصرعه، ويرى مشاهد هذا المصرع، جلية مبينة.
قال إبراهيم بن فاتك:
6 «دخلت يوما على الحلاج في بيت له، على غفلة منه، فرأيته قائما على هامة رأسه، وهو يقول: يا من لازمني في خلدي قربا، وباعدني بعد القدم من الحدث غيبا، تتجلى علي حتى ظننتك الكل، وتسلب عني حتى أشهد بنفيك، فلا بعدك يبقى، ولا قربك ينفع ولا حربك يغني، ولا سلمك يؤمن!
فلما أحس بي، قعد مستويا وقال: ادخل ولا عليك، فدخلت وجلست بين يديه، فإذا عيناه كشعلتي نار، ثم قال: يا بني، إن بعض الناس يشهدون علي بالكفر، وبعضهم يشهدون لي بالولاية! فقلت: يا شيخ، ولم ذلك؟ فقال: لأن الذين يشهدون علي بالكفر تعصبا لدينهم، ومن تعصب لدينه، أحب إلى الله ممن أحسن الظن بأحد، ثم قال لي: وكيف أنت يا إبراهيم حين تراني، وقد صلبت وقتلت وأحرقت، وذلك أسعد يوم من أيام عمري جميعه؟ ثم قال لي: لا تجلس واخرج في أمان الله.»
ويقول أحمد بن فاتك:
7 «كنا مع الحلاج، وكان يوم النيروز، فسمعنا صوت البوق، فقال الحلاج: أي شيء هذا؟ فقلت: يوم النيروز، فتأوه وقال: متى ننورز؟ فقلت: متى تعني؟ قال: يوم أصلب!
فلما كان يوم صلبه بعد ثلاث عشرة سنة، نظر إلي من رأس الجذع وقال: يا أحمد، نورزنا: فقلت: أيها الشيخ، هل أتحفت؟ قال: بلى، أتحفت بالكشف واليقين، وأنا مما أتحفت به خجل، غير أني تعجلت الفرح.»
ويقول أحمد بن فارس:
8 «رأيت الحلاج في سوق القطيفة قائما على باب مسجد المنصور، وهو يقول: أيها الناس، إذا استولى الحق على قلب أخلاه عن غيره، وإذا لازم أحدا أفناه عمن سواه، وإذا أحب عبدا حث عباده بالعدوان عليه حتى يتقرب العبد مقبلا عليه، فكيف لي ولم أجد من الله شمة، ولا قربا منه لمحة، وقد ظل الناس يعادونني.
ثم بكى حتى أخذ أهل السوق في البكاء.»
ويقول علي بن أنجب الساعي: «صاح الحلاج في جامع منصور: أيها الناس، اعلموا أن الله تعالى أباح لكم دمي فاقتلوني اقتلوني تؤجروا وأسترح، ليس في الدنيا للمسلمين شغل أهم من قتلي، وتكونوا أنتم مجاهدين، وأنا شهيد.»
9
ولم يهنأ الحلاج طويلا بمكانته في القصر، ولم تتحقق له الآمال الإصلاحية العريضة، التي راودته وهو يلج قصر الخليفة، لقد بدأت الدسائس والمؤامرات تحيط به وتواثبه، وتضيق حوله النطاق وتطارده!
لقد كان وجوده في قصر الخليفة، أمرا مخالفا لطبيعة الحياة، ولطبيعة المعركة التي يقودها.
فهو بإيمانه ورسالته، يختلف اختلافا جذريا عن سكان القصور، وهو بخلقه ونسكه ومبادئه، يختلف اختلافا منهجيا عن الطبقة الأرستقراطية الحاكمة.
وكان الاصطدام حتما مقضيا بين الحلاج وبين الحاشية، لقد رأى بعض الوزراء والقواد والأمراء، أن مكانتهم قد تزلزلت، ورأى المستغلون والمنتفعون والمرتشون، وأرباب النزوات والأهواء والشهوات، الذين هيمنوا على الخليفة في الماضي، أن رأس مالهم الأكبر قد طار من أيديهم.
وانضم إلى هؤلاء وهؤلاء، السياسيون المحترفون من خصوم السيدة شغب أم الخليفة، وخصوم نصر القشوري الحاجب، وهما أكبر أنصار الحلاج، وأخلص تلاميذه.
وفي رجال القصر براعة في الدس والنفاق، وكفاءة في التلوين والتآمر وهم تاريخيا أقدر الناس على هذا الضرب من الحياة، وأبرعهم فيه.
يقول المستشرق نيكلسون: «لقد ضاق كبار رجال الدولة بنفوذ الحلاج وصيحاته وشعبيته الحارة، التي تهدد بثورة تطيح بهم وبنفوذهم.»
وتقول دائرة المعارف الإسلامية:
10 «وكانت رعاية شغب أم المقتدر، والحاجب نصر، للحلاج سببا في أن عاداه الوزير حامد، الذي سيقود المعركة يوم محاكمته.»
وابتدأت الحاشية تهمس في براعة قادرة مدربة في أذن الخليفة، بأن الحلاج يعد العدة لضربته الكبرى، الضربة التي ستطيح بالخليفة، ليتولى هو الأمر من بعده!