تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ودخل الحلاج المعركة، وحمل عبئها ومسئوليتها، وكانت طلقته الأولى في القمة، في مجلس وزراء الخليفة.

وابتدأ الصراع بين الوزراء الحلاجيين، وخصومهم من الوزراء، صراعا سافرا مريرا.

واستطاع أنصار الحلاج في الوزارة، أن يصدروا أول بيان تاريخي منهجي في العالم الإسلامي، لميزانية الدولة الإسلامية، على أسس اشتراكية، هذا البيان الذي يقول عنه المستشرق ماسنيون: «إنه صار مشهورا بحق.»

2

واستطاع هذا البيان، أن يعيد تنظيم سياسة الدولة المالية، وأن يخفف من قسوة الضرائب، وأن يتجه بفائض المال إلى الخدمات العامة، بدلا من إنفاقه على الخليفة وحاشيته!

وغضب الوزير حامد بن العباسي خصم الحلاج الأكبر، فقام بحركة مضادة فأغرى الخليفة باحتكار المخزون من القمح والمضاربة فيه!

يقول ماسنيون:

3 «فأجاب الوزير ابن عيسى صديق الحلاج على هذا الإجراء، بإثارة فتنة شعبية، وفيها أطلق نصر القشوري حبل العمل للحنابلة - أصدقاء الحلاج - فقامت نقابات العمال في بغداد والبصرة والكوفة والموصل، وهاجمت المحتكرين والمخازن وفتحت السجون.» (1) المحاكمة الأولى

واهتز عرش الخلافة، واهتزت أرائك الوزراء غير الحلاجين، فأدرك الوزير حامد أن الخطر أصبح من الضخامة، بحيث لا يقاوم إلا بالإقدام على مخاطرة حاسمة ... هي القبض على الحلاج نفسه ومحاكمته، وهو أمر لا يستطيعه إلا الخليفة، ولكن الخليفة جبن وتردد، رغم إلحاح الوزير عليه، وتبصيره بالخطر المحدق به.

فلجأ حامد إلى السلاح الديني الشرعي، فاتصل بأحد أعضاء محكمة القضاء الكبرى ببغداد، وهو الفقيه الظاهري محمد بن داود، وكان شاعرا هلوكا يبغض الحلاج ويمقت التصوف، فأغراه بالمال، ومناه بالآمال، وحرضه باسم الخلافة والخليفة.

واستغل محمد بن داود مركزه الشرعي، فرفع أمر الحلاج إلى المحكمة العليا طالبا محاكمته، والحكم بقتله، بدعوى الشعوذة وادعاء الألوهية!

وجند الوزير حامد الشهود ليوم المحاكمة، فأعد رجلا من غمار الصوفية، لقنه أن يقول إنه سمع الحلاج يتحدث في درسه الصوفي بمسجد المنصور قائلا: أنا الحق!

وجاء برجل آخر من العامة ليشهد بأنه من أتباع الحلاج، وبأن الحلاج إله! وأنه يحيي الموتى!

وحضر الحلاج المحاكمة في دار القضاء العالي، وواجه الشهود. يقول المؤرخ ابن كثير:

4 «وأنكر الحلاج ما نسب إليه، وقال: أعوذ بالله أن أدعي الربوبية، أو النبوة، وإنما أنا رجل أعبد الله، وأكثر له الصوم والصلاة وفعل الخير، ولا أعرف غير ذلك، وجعل لا يزيد على الشهادتين والتوحيد، ويكثر أن يقول: سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوءا وظلمت نفسي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.»

وهنا انتصر للحلاج القاضي الشافعي ابن سريح قائلا: «إن مثل هذا لا يدخل في القضاء، والأدلة غير ثابتة، والدليل لا يوجد.»

وبهذا الاعتراض فشلت المحاكمة، وضاعت المؤامرة، ولكن الوزير حامد، أسرع فأصدر أمرا بتشكيل هيئة قضاء أخرى برياسة القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، وعضوية القاضي أبو جعفر بن البهلول وجماعة من الفقهاء.

وأعيد الاتهام وجاءوا بالحلاج وتوالى الاتهام: هل أنت إله؟! هل تحيي الموتى؟! هل تخدمك الجن؟! هل تصنع ما تحب عن طريق المعجزات؟! كما يقول الشهود.

وأنكر الحلاج ما نسب إليه بشدة، وسخر من شهوده بقوة، وقال: أنا عبد الله، أؤمن به وبرسله، وأدعو إلى الحق، وأنشد الخير للمسلمين، ولا أقر الظلم، ولا أعرف هؤلاء الشهود، ولا أقول غير هذا وأعوذ بالله من الدعوى.

وتعالت صيحات الجماهير الغاضبة خارج دار القضاء، ووجد القضاة أنفسهم بين شقي الرحى.

فعادوا إلى الوزير حامد ليبلغوه بأنهم لم يجدوا ما يوجب قتل الحلاج، ولا عقابه، وأنه لا يجوز قبول ادعاء إلا بدليل أو إقرار!

وفشلت القضية من جديد، وثار حامد وأسرع إلى الخليفة ينشد تأييده، فقد زادت هذه المحاكمات من مكانة الحلاج ونفوذه.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٣٨