تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد واصل دعوته بتلك الحمية الثائرة التي أثرت عنه، فأجابه الخلق، كما ثارت حوله الخصومات والعداوات من جديد.

فخاصمه أول ما خاصمه ابن داود الظاهري، الفقيه الجامد المتعصب ومن يلوذ به من الفقهاء خصوم الحياة الروحية بكافة صورها وألوانها، وأخذوا ينشرون الشائعات حول الحلاج وعقيدته ودعوته.

ومن الناحية السياسية، خاصمه الوزير علي بن عيسى، خصومة سياسية، من أجل نصر القشوري حاجب الخليفة، وخصمه السياسي.

وفجأة حدث تحول بعيد المدى في حياة الحلاج ودعوته، بل بعيد المدى في تاريخه ومأساته.

يقول البغدادي:

4 «إن علة عرضت للمقتدر بالله في جوفه، ووقف نصر القشوري على خبرها، فحدث الخليفة عن الحلاج ووصفه بأنه الرجل الصالح، واستأذنه في إدخاله إليه فأذن له.»

وجاء الحلاج فوضع يده على الموضع الذي كانت العلة فيه، وقرأ عليه فاتفق أن زالت العلة.

ثم يقول: «ولحق والدة المقتدر بالله، مثل تلك العلة وفعل بها ذلك فزال ما وجدته، فقام للحلاج بذلك سوق في الدار، وعند والدة المقتدر والخدم والحاشية.»

ويقول عريب القرطبي في كتابه «صلة تاريخ الطبري»: «أحيا الحلاج ببغاء ولي العهد الراضي محمد بن جعفر المقتدر، فأحدث ذلك دويا في القصر وفي بغداد.»

ويحدثنا صاحب «تاريخ بغداد» حديثا عجبا عن الحلاج الذي أقام في قصر الخليفة، بأمر الخليفة، وكيف غدا صاحب الكلمة الأولى في القصر، ثم يقول: «وكانت بنت السمري صاحب الحلاج قد أدخلت إليه، وأقامت عنده في دار السلطان.»

ثم يذكر في موضع آخر، أن ابنة الحلاج قد أقامت معه أيضا في دار الخليفة.

5

أي إن الحلاج قد انتقل بأسرته وخدمه ومعارفه إلى دار الخلافة.

أصبح الحلاج سيدا مطاعا مرهوبا، عالي المكانة، مسموع الصوت، في قصر الخليفة.

وغدت والدة الخليفة المقتدر، السيدة شغب بسلطانها وجلالها ونفوذها، من أخلص تلاميذ الحلاج المؤمنين به، المدافعين عنه.

ومشى كثير من الوزراء والقواد والأمراء في موكبه، وحفوا به في مجالسه، واعتنقوا منهجه، إما عن اقتناع به، وإما افتتانا بشخصيته الساحرة، وإما تزلفا وتقربا لرجل، أصبحت الأسرة الحاكمة ترعاه وتجله، وتؤمن به وتقدره.

وامتلأ قصر الخليفة الكبير، بالحديث عن كراماته وآياته، وما تصنع يداه من عجائب وغرائب، تكاد ترتفع فوق الكرامات والآيات.

وأسرف الناس كعادتهم في هذا الحديث، ولونوه ووشوه، وأضافوا إليه وزادوا فيه، حتى غدا الحلاج أكثر من أسطورة، وأكبر من ولي، في أفق بغداد، وسماء العراق.

وملأت الهمسات الملونة، أندية بغداد ومساجدها، وفقد خصوم الحلاج أعصابهم، فقد رأوا غريمهم، يرتفع شاهقا فوق هاماتهم، فراحوا يملئون الدنيا صياحا غاضبا مجنونا، حول الحلاج، الدعي الساحر الدجال حينا، وحينا تتناول الصيحات المرعدة، عقيدته الإيمانية، فترميه وتصفه، بالكفر والفسوق، والاتحاد والحلول!

والحلاج في آفاقه بعيدا بعيدا عن هذا الدوي، لقد ملكت عليه رسالته الإصلاحية أقطار تفكيره، وملك عليه حبه لربه، وجدانه وقلبه، فراح يجاهد في الميدانين، بما أثر عنه من حماس ملتهب، وبما عرف به من عزمات لا تلين.

ولكن الذي كان يمزق قلب الحلاج حقا، ويملأه بالأسى المرير هو موقف أحبابه وأساتذته وتلاميذه من الصوفية، من أبناء مدرسة الجنيد، لقد حاربوه في رسالته، وبارزوه العداوة في منهجه، وسلقوه بألسنة حداد في حبه وإيمانه.

وهذا الموقف العدائي من الإمام الجنيد ومدرسته، قد أرقه وأهمه، وحرق قلبه، ونرى أثر هذا الموقف في الكلمات الباكية الحزينة، التي أخذت تترى على لسان الحلاج، في مواجيده وابتهالاته.

لقد أخذت تتسلل إلى قلبه شيئا فشيئا، فكرة الاستشهاد في سبيل حبه، وفي سبيل عقيدته.

لقد آمن من قبل بأن الوجد والعذاب في الحب، هما معراجه إلى الوصول والقرب، واليوم أخذ يؤمن بأن الاستشهاد هو طريقه إلى النصر، النصر الشامخ المتلألأ لفكرته ومنهجه.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٣٥