تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهي رسائل لا تزال مخطوطة متفرقة في مكتبات العالم، بما تشتمل عليه من تصوير رائع لمرحلة من أخطر المراحل الفكرية في تاريخ الأمة الإسلامية.

لقد تحدث الحلاج في هذه الرسائل عن الحرية الفردية، وعن الحقوق الاجتماعية، وعن المثالية الخلقية، كما تحدث عن السياسة المالية في الخراج والضرائب، وعن سياسة الحكم وتبعاته وأهدافه.

وبذلك سبق الحلاج بمنهجه الذي يمكن أن نسميه بالاشتراكية الديموقراطية الدينية، كافة الدعاة العالميين إلى هذا اللون المنهجي في الإصلاح الاجتماعي.

ومن أشهر هذه الرسائل، الرسائل الثلاث التي أهداها إلى أصدقائه من الوزراء، حسين بن حمدان، وابن عيسى، ونصر القشوري.

ثورة ابن المعتز

وعلى دوي كلمات الحلاج المزلزلة، أخذت العناصر الثائرة، الطامعة في الخلافة من بني العباس، ترفع رأسها، وتدبر أمرها، وتطمع في أن تثب في عنان هذه الحملة الحلاجية على عرش الخلافة لتنتزعه لنفسها.

وكان ابن المعتز الشاعر العباسي الكبير، من أبناء الخلفاء، وكان يرى أنه أحق بالخلافة من المقتدر.

وكان يلوذ به طائفة قوية من أبناء البيت العباسي، غضبوا من المقتدر ورأوا في مجونه ولهوه وتهالكه، وهيمنة النساء عليه نذيرا يعرض البيت العباسي بأسره للزوال والفناء.

ورأى أدباء بغداد وشعراؤها في ابن المعتز، زميلا شاعرا أديبا، فطافوا به، ومشوا في ركابه، واحتضنوا دعوته.

كما رأى الحنابلة المتعصبون المتزمتون في ابن المعتز، متنفسا لحقدهم على الخليفة، الطفل العابث، فأسرعوا إلى ابن المعتز يحيطونه بهالة من قداسة الدين وبريقه.

وأخذ بعض تلاميذ الحلاج من الوزراء والقواد ينضمون إلى ابن المعتز سرا، لقد رأوا في حركته سبيلا قد يحقق لأستاذهم ما يدعو إليه، ويبشر به، وكان أكبر هؤلاء التلاميذ الأمير الحسين بن حمدان الذي تولى القيادة العسكرية للثورة.

ويرى ماسنيون: أن الحلاج كان الزعيم الروحي لحركة ابن المعتز، والقائد الحقيقي لثورته.

يقول ماسنيون: «وأدار الحلاج دعوته من وراء الحجب وفي سنة (296ه / 908م) انفجرت المؤامرة الإصلاحية، وقامت خلافة تحت رعاية الحلاج، تولاها ابن المعتز، ولكنها استمرت يوما واحدا ثم فشلت؛ لأنها لم تستطع الحصول على الأموال من الممولين اليهود في القصر، وقد كانوا متواطئين مع عمال الخراج الشيعة.

فأعيدت الخلافة إلى المقتدر، بمساعدة الشرطة، وابن الفرات، الذي تولى الوزارة وكان أول أمر أصدره هو القبض على الحلاج وأتباعه.

ونجا الحلاج من القبض، واختفى لدى الحنابلة، ببلدة - سوس - من الأهواز.

وبعد ثلاث سنوات من اختفائه، وبخيانة عامل مدينة واسط - حامد - قبض على الحلاج وجيء به إلى بغداد، حيث ابتدأت قضيته العالمية.»

ولكن الحلاج نجا مما أعد له، لقد كانت له مكانة شعبية تحميه وتعصمه من غضب الخليفة، وكان له أنصاره الأقوياء من الأمراء والوزراء ومن كبار رجال القصر.

أنصار استطاعوا أن ينتزعوا من الخليفة المقتدر، أمرا بالعفو عن الحلاج، وأن يكتفي بتحديد إقامته بدار حاجب الخليفة نصر القشوري تلميذ الحلاج المخلص.

يقول صاحب «تاريخ بغداد»: «فأقام عند نصر القشوري، في سعة ودعة يزوره من يشاء.»

2

الحلاج في قصر الخليفة

ثم أطلقت حرية الحلاج كاملة، فعاد إلى منهجه ورسالته، يقول ابنه أحمد كما يروي صاحب «تاريخ بغداد»: «إن والده وقع له عند الناس قبول عظيم، حتى حسده جميع من في وقته.

ثم بنى دارا في بغداد واتخذ له عقارا، ودعا الناس إلى فكرته فأجابه الخلق.

وخرج عليه محمد بن داود الظاهري، وجماعة من أهل العلم وقبحوا صورته.

ووقع بينه وبين الوزير، علي بن عيسى، عداوة من أجل نصر القشوري، ووقع بينه وبين الشبلي وغيره من مشايخ الصوفية، واختلفت الألسن في أمره.»

3

وكلمة أحمد بن الحلاج تصور لنا تلك الحقبة من حياة الحلاج تصويرا دقيقا.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٣٤