كان الحلاج يبشر بمنهج فيه بريق التصوف وروحانيته وإشراقه، وفيه أهداف السياسة الإيجابية البناءة.
كما كان يقول المستشرق ماسنيون يهدف إلى قيام خلافة ليس بينها وبين الجمهور نفور سياسي، ويعمل كي يزيل من شعوب الدولة ما بينها من نفور اجتماعي، ويزيل ما بين الفرق من نفور ديني، ويحطم ما بين الطبقات من تفاوت مادي.
منهج إيجابي للإصلاح السياسي والاجتماعي، يظلله ويدعمه منهج روحي، قوامه الدعوة إلى حكومة الأتقياء الأولياء الذين يملئون الأرض عدلا وقسطا، ويملئون القلوب إيمانا وحبا، الحكومة الربانية المهتدية التي ستعيد عهد حكومة الرسول، بكل ما فيها من عدل وقوة، ومحبة وعبادة.
أو كما يقول الحلاج: «خلافة ربانية تشعر بمسئوليتها أمام الله، مما يجعل الله يرضى عن قيام المسلمين بفروض دينهم، من صيام وصلاة، وحج وزكاة.»
وبذلك يربط الحلاج بين صلاح الحكم، وقبول الله سبحانه للعبادة من عباده المؤمنين.
فلن يقبل الله عبادة عابد، تحت ظل حكم فاسد - كما يقول - وأولياء الله حقا في منهجه، هم الذين يحملون أمانة الرسل في الإصلاح العام، وهم الذين يقودون الإنسانية إلى الله، وإن واجبهم أن يستشهدوا، أو ينتصروا.
ذلك إيمان الحلاج، وتلك دعوته، التي انبثقت منها صيحته الكبرى ذات الرنين الخلاب.
صيحة الخلافة، التي يتولى القيادة فيها والزعامة، القطب الولي الأكبر، الذي له خلافة الظاهر والباطن، القطب الزعيم الذي ارتبط قلبه بالله، فقام به وتلقى عنه، القطب الذي يمشي على خطو الأنبياء ومنهجهم، ويحقق بأعماله رسالتهم.
القطب الذي سيقود العالم الإسلامي، بل الإنسانية كافة، إلى معارج الكمال القرآني، وآفاق الحب الإلهي، فيصبح الإنسان جديرا بخلافة الله.
تلك هي الخطوط الرئيسية لمنهج الحلاج، الذي دوى في سماء بغداد، فأطلق العواصف المرعدة، وأثار المعارك الملتهبة، وانقسم الناس حياله، كما يقول المستشرق نيكلسون إلى حلاجية، وخصوم للحلاجية.
يقول ماسنيون: «إن الحلاج أحيا بمنهجه هذا، وبحميته الثائرة، وبشخصيته الباهرة، الآمال العريضة، والأحلام الجميلة، التي كانت تعيش في أعماق الأمة الإسلامية، فالتفت حوله الجماهير، واندفع في تياره كثير من الأمراء والوزراء والقادة.»
وفي الناحية الأخرى، أحاطت بالحلاج الأحقاد والخصومات العنيفة الملتهبة، لقد جاء ليزلزل نظاما، ويحطم حكما، ويحارب فسادا شامخا، وينتزع من الزعامات الفكرية والروحية مكانا سامقا!
لقد لقبه الإمام الجنيد من أجل هذا المنهج برجل المطامع، وهي كلمة لها معناها ودلالتها وهدفها.
يقول الإصطخري: «إن كثيرا من علية القوم رأوا حينئذ في الحلاج أنه الرئيس القطب.»
الرئيس القطب رجل المطامع، الذي ينشد الخلافة لنفسه، إن هذا وحده يكفل للحلاج عداوة شامخة مريرة، من كافة القوى المنتفعة بالخلافة، وما يحيط بها وما يدور في فلكها.
وزاد من عنف المعركة، أن الحلاج كان بطبيعته المؤمنة الثائرة، مهاجما قاسيا عنيفا، لا يعرف المهادنة ولا يعترف بالتقية، ولا يرضى بأنصاف الحلول.
هاجم الشيعة وطالب بعزلهم عن الخراج، وإبعادهم عن بيت المال، لقد أرهقوا الناس، وأفسدوا الضمائر، واختلسوا الأموال، واحتكروا الأرزاق.
وهاجم المعتزلة؛ لأنهم حصروا أنفسهم في قوالب فلسفية، وأهملوا دعوة الإصلاح والحرية.
وحارب الوزراء الذين تخرجوا من المدارس النسطورية، وكانوا من أصول نصرانية، كابن وهب، وابن نوبخت؛ لأن في قلوبهم بقية ملحدة تحارب الإسلام، ولا تؤمن بدعوته.
وهاجم الخلافة وأحزابها وقوادها وحجابها ، لقد غرقوا في الترف، وأسرفوا في المجون، وأشاعوا الفساد، واستبدوا بالعباد، وانحرفوا عن رسالة الإسلام!
وأخذ الحلاج يدعم معركته برسائل سياسية، تحدث فيها عن منهجه في الإصلاح العام، وأوضح بها واجبات الوزراء، وحقوق الرعية، كما تحدث فيها عن الخلافة الربانية، وما يجب أن يتوافر لها من شروط.