والولاية عند الحلاج: تبلغ كمالها عن طريق الابتلاء، واحتمال الألم، وتبلغ جلالها، بالجهاد والتضحية.
فالصوفي المحب، هو الذي وهب نفسه لله، وصبر على ابتلائه في دنياه، صبره على امتحانه في حبه وإيمانه.
يقول الكلاباذي: (1) سمعت بعض مشايخنا يقول: سمعت محمد بن سعدان يقول: «خدمت أبا المغيث - الحلاج - عشرين سنة، فما رأيته أسف على شيء فاته، أو طلب شيئا فقده.»
ويقول: (2) وكان أبو المغيث لا يستند ولا ينام على جنبه، وكان يقوم الليل، وإذا غلبته عينه، قعد ووضع جبينه على ركبتيه، فيغفو غفوة، فقيل له: ارفق بنفسك! فقال: «والله ما رفق الرفيق بي رفقا فرحت به، أما سمعت سيد المرسلين يقول: أشد الناس بلاء، الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.»
ويقول: (3) سمعت بعض أصحابنا، يقول: سمعت بعض الكبراء - الحلاج - يقول: «ربما أغفو غفوة وأنادي: أتنام عني؟ إن نمت عني، لأضربنك بالسياط.»
والصوفي المحب لله، هو الذي يقوم بكلمات الله في الأرض، مجاهدا مناضلا مضحيا بكل شيء، حتى تعلو كلمة الحق. وتمشي الإنسانية، على الصراط المستقيم.
إن المحبة هي التضحية وهي الجهاد، والصوفي المحب لله، هو من كانت كلماته صورة في عمله في الدين والدنيا.
ومن هنا لم يكن زهد البسطامي، ولا تقية الجنيد، ولا سلبية المكي، ولا تردد الشبلي، مما يرضى عنه الحلاج.
لقد ثار الحلاج في عنف، وفي قداسة، على ولاة عهده، وفساد عصره.
كما ثار في عنف وقداسة، على السلبية الزاهدة التي عاشها كبار المتصوفة من معاصريه، الذين قنعوا بعبادة الله وحبه، غير ناظرين إلى واجباتهم حيال خلقه.
لقد عاب الحلاج على أبي يزيد البسطامي زهده العنيف الذي اتخذه طريقا للوصول وقنع به، فالوسيلة هنا ليست هي الأداة الكاملة، وليست هي غاية التصوف أو سبيله.
إن الصوم والصلاة ليست طرقا موصلة إلى الله، بذاتها، كما أن الذكر لا يعتبر وسيلة تفرض النتيجة على الله سبحانه .
إنما هو الحب، الحب الذي يقربنا إلى الله، الحب تحترق فيه شهواتنا ونزواتنا وأرضيتنا، الحب الذي يزورنا الله خلال لهيب وجده، ويمد يده إلينا ويباركنا ويلهمنا، الحب مع التضحية الكاملة، ومع القيام الكامل بحق الله علينا في عبادته، وبحق الله علينا حيال عباده.
ويروي لنا علي بن أنجب الساعي، عن أبي محمد الجسري، المعاصر للحلاج، قصة تاريخية، تعطينا صورة عن خصومات الحلاج مع صوفية عصره، وكيف بدأت تلك الخصومات.
عن أبي محمد الجسري قال: «رأيت الجنيد ينكر على الحلاج، وكذلك عمرو بن عثمان المكي وأبو يعقوب النهروجوري، وعلي بن سهل الأصبهاني، ومحمد بن داود الأصبهاني.
أما أبو يعقوب فقد رجع عن إنكاره في آخر عمره، وأما عمرو بن عثمان، فكان علة إنكاره أن الحلاج دخل مكة ولقي عمرا، فلما دخل عليه قال له: الفتى من أين؟ فقال الحلاج: لو كانت رؤيتك بالله لرأيت كل شيء مكانه، فإن الله تعالى يرى كل شيء، فخجل عمرو وغضب عليه، ولم يظهر وحشته حتى مضت مدة، ثم أشاع عنه أنه قال: يمكنني أن أتكلم بمثل هذا القرآن!
وأما علي بن سهل فدخل الحلاج أصفهان وكان علي بن سهل مقبولا عند أهلها، فأخذ علي بن سهل يتكلم في المعرفة، فقال الحسين بن منصور: يا دسوقي تتكلم في المعرفة وأنا حي؟ فقال علي بن سهل: هذا زنديق!
وأما الجنيد، فكنت عنده، إذ دخل شاب حسن الوجه والمنظر وعليه قميصان، وجلس سويعة، ثم قال للجنيد: ما الذي يصد الخلق عن رسوم الطبيعة؟ فقال الجنيد: أرى في كلامك فضولا! أي خشبة تفسدها.
فخرج الشاب حزينا وخرجت على أثره، وقلت: رجل غريب قد أوحشه الشيخ، فدخل المقابر، وقعد في زاوية، ووضع رأسه على ركبتيه.
فأتيت الشاب وجلست بين يديه ألاطفه وأداريه، ثم قلت: الفتى من أين؟ قال من بيضاء فارس، إلا أنني ربيت بالبصرة.