تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاعتذرت لديه للجنيد، فقال: ليس له إلا الشيخوخة، وإنما منزلة الرجال تعطى، ولا تتعاطى ...»

ثم تغلظ هذه الخصومة، كلما اندفع الحلاج إلى الثورة على فساد عصره، وإلى الدعوة إلى حكومة الأولياء والأقطاب كما كان يسميها الحلاج.

وأخذ الحلاج في عنف وفي قداسة يتحدى أعلام المتصوفة في عصره.

إنه رجل عقيدته صورة قوله، فلا مجاملة عنده فيما يعتقد أنه الحق.

روى الكلاباذي في التعرف: «أن الحلاج حفر حفرة وأوقد فيها النار ووضع هاوون حتى صار كالجمر، وقال لمن يجادله من الصوفية، ومن كبار العارفين: «من كان صادقا بالله فليتقدم ويقف على الهاوون داخل النار، فلم يقدر على ذلك أحد.»

ثم أنه تقدم ووقف عليه فذاب تحت أقدامه، حتى صار كالماء.»

ويروي القشيري في رسالته:

20 «قال الحلاج لإبراهيم الخواص: ماذا صنعت في هذه الأسفار، وقطع هذه المفاوز؟ قال بقيت في التوكل، أصحح نفسي عليه! فقال الحلاج: أفنيت عمرك في عمران باطنك، فأين الفناء في التوحيد.»

إنها السلبية عند غيره، والإيجابية عنده، قال الشبلي: «كنت أنا والحسين بن منصور شيئا واحدا إلا أنه أظهر وكتمت.»

والإيجابية الحلاجية التي تجعل الحلاج يدخل مسجد بغداد وأبو القاسم الجنيد يتكلم على المنبر، والجنيد هو الجنيد مكانة وعلما.

فيهتف به الحلاج على مسمع من الدنيا: يا أبا القاسم، إن الله لا يرضى من العالم بالعلم حتى يجده في العلم فإن كنت في العلم فالزم مكانك، وإلا فانزل فنزل الجنيد، ولم يتكلم على الناس شهرا.

21

يقول الحلاج في عزة الواثق في نفسه: من تكلم عن غير معناه، فقد تحمر في دعواه، ثم تلا قوله تعالى:

كمثل الحمار يحمل أسفارا .

لقد حمل الحلاج أمانة الرسالة الصوفية كاملة، ولم يستطع ذلك غيره، أو كما يقول ماسنيون: «لقد عاش في صوفيته تماما.»

ويكثر تحدي الحلاج للجنيد خاصة، إنه سيد الطائفة، وفي يده القيادة والزعامة، فيوجه إليه يوما سؤالا متعمدا هادفا عن قيمة الإلهام الباطني، بوصف أنه قاعدة من قواعد التقوى والعبادة. ويرفض الجنيد الإجابة، ويكرر الحلاج السؤال، فيسميه الجنيد برجل المطامع، ويضحك الحلاج ساخرا!

وابتدأ الصراع بين الرجلين العظيمين، ورددت محافل بغداد ومساجدها، صدى هذا الصراع العنيف، وابتدأ الجنيد يهاجم الحلاج جهرة، في غضب، وفي تطرف ، ويرميه بالسحر والشعوذة!

قال أحمد بن يونس:

22 «كنا في ضيافة بغداد، فأطال الجنيد اللسان في الحلاج، ونسبه إلى السحر والشعوذة والنيرنج! وكان مجلسنا غاصا بالمشايخ، فلم يتكلم أحد احتراما للجنيد، فقال ابن خفيف: يا شيخ لا تطول، ليس إجابة الدعاء، والإخبار عن الأسرار، من النيرنجات والشعبذة والسحر، فاتفق القوم على تصديق ابن خفيف، فلما خرجنا أخبرت الحلاج بذلك فضحك وقال: أما ابن خفيف فقد غضب لله، وسيؤجر على ذلك، وأما أبو القاسم الجنيد، فقد قال: إنه كذب! ولكن قل له:

سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .»

ويمضي الحلاج في تحديه للجنيد، وتعقبه في مساجد بغداد، يطالبه بأن يخرج من سلبيته إلى إيجابية الدعوة الصوفية، فما يملك الجنيد في لحظة غضب، إلا أن يرمي بنبوءته الصادقة ... ستقتل!

ويضحك الحلاج، ويعقب بنبوءة أخرى صادقة أيضا ... نعم، وستمضي على قتلي!

رجلان عظيمان، لكل منهما عقيدته ومنهجه، ولكنهما اختلفا، ولو اتفقا لتغير وجه التاريخ.

| الزعيم الثائر

وكما اصطدم الحلاج بالجنيد ومدرسته، اصطداما أساسه الاختلاف الجذري في فهم رسالة التصوف عامة، وصلة التصوف بالحياة خاصة، أخذ أيضا يصطدم ويصارع كافة القوى التي تهيمن على بغداد، اصطداما وصراعا أساسه الاختلاف الجذري أيضا في فهم رسالة الإصلاح السياسي والاجتماعي للعالم الإسلامي.

لقد دخل الحلاج بغداد في نهاية عام 296ه، بعد أن طوف بمشارق الأرض ومغاربها، يبذر بذور مذهبه، ويدعو الناس إلى ربه، ويملأ آفاق الأرض، بألحان حبه، ومواجيد قلبه، دخلها وهي تمر بأيام حاسمة في تاريخها، وفي تاريخ الأمة الإسلامية كافة.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٣١