الحلاج وأعلام التصوف في عصره
ومن صلة الحلاج بالله، تكونت فلسفته الذوقية والإيمانية، التي عرفت في التاريخ بالحلاجية، تلك الفلسفة التي طبعت التصوف في عصره الذهبي - عصر الحلاج - بطابعها، والتي غدت كما يقول نيكلسون الراية التي تأتم بها العصور التي تعاقبت من بعده، والتي جعلت رجال الفكر الأوروبي، يطلقون على الحلاج لقب «المفتي» في الأمور الصوفية، كما يقول العلامة ليبنتر.
ومن صلة الحلاج بالله، انبثقت شخصية الحلاج، تلك الشخصية التي تلاقت فيها، العملاقية الجبارة الرهيبة، بالروحانية المشعة الحبيبة.
تلك الشخصية التي تشكلت وخطت في التصوف الإسلامي أروع آياته، وأخلد مواقفه.
وشخصية الحلاج عندي من ألغاز التاريخ، ومن مواقف العقول.
فهي شخصية في ملامحها العقلية والإيمانية عمق يندفع جبارا إلى أغوار، ليس من السهل على الباحث أن يلاحقها في اندفاعها، وأن يتابعها في مسالكها.
وفي آفاقها الذوقية والخلقية، انفساح وشمول، تقصر أجنحة الدارسين عن الدنو منها، والإمساك بآثارها.
إن الحلاج يفهمه القلب، أكثر مما يحيط به العقل، ويدركه الحس، ويدنو منه الوجدان، أكثر مما يحلله الفكر والبيان.
إنه في حاجة إلى أن نرتفع بأذواقنا ومواجيدنا، وأن نتلمس بأرواحنا وأشواقنا، الطريق الذي نطل من نوافذه على أسرار ذلك الروح الكبير، الذي حاول في عظمة شاهقة، أن يكون صورة الولي الكامل المعبر عن الله.
والذي حاول في بطولة خارقة، أن يكون الشهيد الذي يكتب بدمه آية الفداء لحبه وعقيدته.
الشهيد الذي وقف على آلة صلبة، يتحدى الدنيا فلما قطعت أعضاؤه، وتدفق دمه، أخذ يتوضأ بهذا الدم، فلما سئل ماذا تفعل، قال: «ركعتان في العشق لا يصح وضوؤهما إلا بالدم.»
ولسنا هنا بصدد تحليل تلك الشخصية الخارقة، فلهذا مكانه من تلك الدراسة.
وإنما نقدم لمحات، ترشد وتومئ إلى شخصية الحلاج، وتلقي شعاعا من الضوء على أسرارها.
وتلك اللمحات التي نقصدها، هي موقف أعلام التصوف الإسلامي في عصر الحلاج من الحلاج، وموقف الحلاج منهم.
يقول المستشرق ألفردفون كريمر: «فالكل مجمعون على أنه كان على رأس فرقة كبيرة، وأنه كان له أتباع كثيرون، أعجبوا به، واتخذوه إماما ومرشدا.»
18
ويذكر لنا ماسنيون:
19
أن كثيرا من الأمراء، وقواد الجيش، وعظماء الدولة العباسية، وأعلام المعتزلة، وفقهاء الحنابلة، وصفوة من المفكرين والمصلحين، ومع كل هؤلاء جمهرة كبيرة من الناس، كانوا جميعا من أتباع الحلاج، ومن تلاميذه، ومن المؤمنين بقداسته وولايته، ودعوته الإصلاحية.
ومع هذا كله، فإن عددا من أعلام التصوف الإسلامي في عصره، قد خاصمه ولم يناصره في أهدافه وصيحاته، ولم يسانده في محنته واستشهاده.
لقد جاء الحلاج ليضيف جديدا إلى التصوف الإسلامي، في صلته بالله، وفي صلاته بالحياة.
لقد جاء الحلاج لا ليكون صورة مكررة من الناس أو العلماء، أو سطورا متلألئة في كتب التاريخ بجانب السطور التي خطها المفكرون أو العابدون.
جاء ليكون كتابا وأمة، جاء ليقيم منهجا، ويرسم طريقا، ويفتح أفقا، ويجعل من نفسه بعد هذا، صورة صادقة معبرة وقائمة بمنهجه وطريقه وأفقه.
جاء ليصنع من تاريخه معالم وصورا، تهتدي بها الإنسانية، في سيرها المضيء إلى الله، وفي جهادها العنيف للكمال والتسامي.
كان الحلاج ينشد في المعرفة، أن يظفر الصوفي، بحظ من الفيض الإلهي، ليعبر دائما عن الإرادة الإلهية.
فإذا عبر عنها ارتفع إلى أفقها وقداستها، فأصبح قوله، صورة إيمانه في دنياه ودينه.
ومن هنا جاءت عظمة العقيدة الحلاجية، التي أخذت كل شيء بقوة وعزم وبقداسة، ولم تقبل أبدا، تساهلا، أو ترددا، أو تقية.
يقول الحلاج: «الواجب على أولياء الله، أن يتوجهوا إلى الله وحده، ويتحققوا بمعنى العبودية الكاملة، ويطيعوا أمره مهما كلفهم ذلك، من عنت وشقاء.»