تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكل شيء في الوجود مادي أو معنوي، هو حجاب دون رؤية الله سبحانه، يجب الفناء عنها، كما يجب أن يفنى الإنسان عن نفسه أيضا.

بدا لك سر طال عنك اكتتامه

ولاح صبح كنت أنت ظلامه

وأنت حجاب القلب عن سر غيبه

ولولاك لم يطبع عليك ختامه

12

إن تجربة الحلاج الصوفية في المعرفة الإلهية لتجربة فذة عليها طابعه وحده، لقد شارك الصوفية في مواجيدهم وأذواقهم، ثم ابتدع منهجا خاصا به هو سره الأكبر، لقد جعل من الآلام شيئا مقصودا لذاته.

أريدك لا أريدك للثواب

ولكني أريدك للعقاب

فكل مآربي قد نلت منها

سوى ملذوذ وجدي بالعذاب

13

يقول ابن الخطيب، في تاريخ بغداد: «إن ابن عطاء لما سمع هذا الشعر قال: هذا مما يتزايد به عذاب الشغف، وهيام الكلف، واحتراق الأسف، وشغف الحب، فإذا صفا ووفا، علا إلى مشرب عذب، وهطل من الحق دائم سكب.»

والحب لذة لا يعرفها إلا الصفوة من المحبين.

مكانك من قلبي هو القلب كله

فليس لخلق في مكانك موضع

وحطتك روحي بين جلدي وأعظمي

فكيف تراني إن فقدتك أصنع

14

ونحن ندنو رويدا من فلسفة الحلاج العليا في الحب الإلهي.

وأي أرض تخلو منك حتى

تعالوا يطلبونك من السماء

تراهم ينظرون إليك جهرا

وهم لا يبصرون من العماء

15

إنه كما يقول المستشرق دي بور يحاول أن يتذوق بروحه ما يحاول المتكلمون والفلاسفة أن يصلوا إليه بالنظر العقلي.

وإنه للحب العالي، الحب الذي تعجز الكلمات عن تصويره أو كما يقول سحنون لا يعبر عن شيء إلا هو أرق منه، ولا شيء أرق من المحبة فيما يعبر عنها.

يقول الحلاج:

لي حبيب أزور في الخلوات

حاضر غائب عن اللحظات

ما تراني أصغي إليه يسمع

كي أعي ما يقول من كلمات

كلمات من غير شكل ولا نط

ق ولا مثل نغمة الأصوات

فكأني مخاطب كنت إيا

ه على خاطري بذاتي لذاتي

حاضر غائب قريب بعيد

وهو لم تحوه رسوم الصفات

هو أدنى من الضمير إلى الوه

م وأخفى من لائح الخطرات

16

ومن الكلم المضيء الذي يكشف عن منهج الحلاج وإيمانه الذوقي، تلك الدراسة التحليلية الرائعة التي أدارها الحلاج حول كيفية معرفة الإنسان لربه وخالقه.

قال في الطواسين

17

وهي أدق وأعمق ما انفرجت عنه الأقلام: «... من قال عرفته بفقدي، فالمفقود كيف يعرف الموجود! ومن قال عرفته بوجودي، فقديمان لا يكونان.»

ومن قال: عرفته حين جهلته، فالجهل حجاب، والمعرفة وراء الحجاب لا حقيقة لها.

ومن قال: عرفته بالاسم، فالاسم لا يفارق المسمى؛ لأنه ليس بمخلوق.

ومن قال: عرفته به فقد أشار إلى معروفين؟ ومن قال: عرفته بصفته، فقد اكتفى بالصنع دون الصانع، ومن قال: عرفته بالعجز عن معرفته فالعاجز منقطع، والمنقطع كيف يدرك المعروف!

ومن قال: كما عرفني عرفته، فقد أشار إلى العلم فرجع إلى المعلوم، والمعلوم يفارق الذات، ومن فارق الذات كيف يدرك الذات!

ومن قال: عرفته كما وصف نفسه، فقد قنع بالخبر دون الأثر.

ومن قال: عرفته على حدين، فالمعروف شيء واحد لا يتحيز ولا يتبعض.

ومن قال: المعروف عرف نفسه فقد أقر بأن العارف في البين متكلف به؛ لأن المعروف لم يزل كان عارفا بنفسه، يا عجبا ممن لا يعرف شعرة من بدنه، كيف تنبت سوداء، أم بيضاء، كيف يعرف مكون الأشياء!

من لا يعرف المجمل والمفصل، ولا يعرف الآخر والأول، والتصاريف والعلل، والحقائق والحيل، لا تصح له معرفة من لم يزل.

سبحان من حجبهم بالاسم والرسم والوسم! حجبهم بالقال والحال والكمال والجلال، عن الذي لم يزل ولا يزال.

القلب مضغة جوفانية، فالمعرفة لا تستقر فيها؛ لأنها ربانية.

من قال: عرفته على الحقيقة، فقد جعل وجوده أعظم من وجود المعروف؛ لأن من عرف شيئا على الحقيقة فقد صار أقوى من معروفه حين عرفه.

ويقول الحلاج عن الخواص العارفين: «فالخواص عباده الذين محاهم عن شواهدهم، وصانهم عن أسباب الفرقة، باستهلاكهم في شهوده، واستغراقهم في وجوده، فأي سبيل للشيطان إليهم! وأي يد للعدو عليهم! ومن أشهده الحق حقائق التوحيد، ورأى العالم معترفا في ثقة التقدير، لم يكن نهبا للأغيار، فمتى يكون للغير عليه تسلط!»

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٢٨