تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقوم جحدوا وألحدوا، وقوم أشركوا وعددوا، وقوم أنكروا الصفات فعطلوا وبطلوا، وقوم أثبتوها ولكن شبهوا وشكوا.

ولم يصب شاكلة الحق إلا من آمن بالذات والصفات، وكفر باللات والآلات، ولازم التوحيد والتنزيه، وأثبت الصفة ونفى التعطيل والتشبيه.»

صلته القوية بالله

وغشى مع الحلاج خطوات في آفاقه الذوقية، وفي مواجيده وحبه للذات الإلهية، وفي تلك المجالات الروحية التي ابتدعها حول صلات العبد الولي المختار، بمفيض الوجود ومبدعه وملهمه.

وصلة الحلاج بالله سبحانه، تدور على قطبين: الحب الواله القوي الغلاب المذهل، والفناء في هذا الحب فناء شاملا يذوب فيه كل شيء مادي دنيوي ويحترق ليخلد.

ثم مرحلة السير في هذا الحب، ومجالات هذا السير الروحية، بما فيها من إلهامات وتجليات، ومواجيد وأشواق وحيرة ودهشة وعذاب.

والمحب هنا في عذاب ملهم، يعذب في بحثه عن مولاه، ويعذب في حبه له، ويعذب في حيرته حيال جبروته وآياته.

والعذاب في الحب الإلهي أكبر خير يفيضه الله سبحانه على عبده ووليه المحبوب.

وإن لله سبحانه لنظرات وإشراقات وزيارات للقلب المحب المعذب المحترق، زيارات تهب ولها مقدسا، يعقبه هجران يدفع إلى دهشة محلقة.

ومن كل هذه الانفعالات تنبثق مواجيد المعرفة العليا، وتسبيحات الولاية العظمى، وينبثق فوق هذا وذاك في قلب المحب، فيض إلهي يعبر عن الإرادات الإلهية، ويقتبس من نورها وهداها.

وروح المحب الولي، هو وحده الذي يظفر بهذا الحب الإلهي، لا عن طريق الحلول التحيزي، بل بوساطة الفيض النوراني الذي يرفع أرواح الأولياء المحبين إلى المراتب القدسية.

وخلال هذا الفيض أو هذا الاتصال، تحدث الجذبة الروحية التي تصورها لنا تلك المناجاة المشعة المستمرة بين روح المحب ومحبوبه الأسمى الذي تشعر بوجوده في أعماقها.

وحينئذ تتوالى ضراعات الروح وترتفع إلى مولاها بكل آلامها وآمالها وأشواقها في لغة فوق لغة الألسن، وفي تصوير لا يمت إلى العلائق الدنيوية بصلة أو نسب.

يقول الحلاج: «اعلم أن العبد إذا وحد ربه فقد أثبت نفسه، ومن أثبت نفسه فقد أتى بالشرك الخفي، وإنما الله تعالى هو الذي وحد نفسه على لسان من يشاء من خلقه،

وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى .»

والذين لا يستطيعون متابعة مثل هذا الروح في عروجه وسلوكه وحبه وعذابه وتجربته، لا يستطيعون أن ينكروا أنها محاولة في المعرفة الذوقية، وفي الحب والإيمان اليقيني، ليست أقل شأنا في تاريخ العقل الإنساني من مسلك الفلاسفة، ومنهج المتكلمين.

يقول الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي: «إذا كان وجود الخالق ووجود المخلوق واحدا، فلا معنى لقيام حوار العشق بينه وبين الله.»

وهذه آية الآيات على نفي الوحدة، ونفي الحلول في منهج الحب الإلهي الصوفي.

والحلاج من أكبر من تغنوا بالحب الإلهي، ولعله أكبرهم عاطفة، وأشدهم وجدا وولها.

يقول الحلاج: «إن المسافة بين النفس وبين الله تتوقف في مقدارها على صفة العشق الإلهي.»

ويقول: «إن شهادة الحمد هي شهادة حب، وإن القلب الذي يعرف الحب لا يموت أبدا.»

إن عذاب الحلاج في حبه، وفي صلته بربه لتقدم لنا أروع نماذج الإيمان الصوفي.

لقد عاش الحلاج في وجد وعذاب، وفي سبحة علوية من إلهامات حبه وشوقه وذوقه.

وإنها لمواجيد حق وصدق، وإن عجزت عنها فهوم الأكابر.

يقول الحلاج:

10

مواجيد حق أوجد الحق كلها

وإن عجزت عنها فهوم الأكابر

وما الوجد إلا خطرة ثم نظرة

تنشي لهيبا بين تلك السرائر

إذا سكن الحق السريرة ضوعفت

ثلاثة أحوال لأهل البصائر

والوجد والعذاب فيض رباني على المصطفين الأحبة؛ ولهذا فهو لا يصطنع في وجده ما يلهبه ويثيره من سماع أو ذكر كما يصطنع غيره:

أنت الموله لي لا الذكر ولهني

حاشا لقلبي أن يعلق به ذكري

الذكر واسطة تخفيك عن نظري

11

إذا توشحه من خاطري فكري

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٢٧