والحلاج يرى أن في القرآن علم كل شيء، وعلم القرآن في الأحرف التي في أوائل السور. ويقول: إن كل هذه العلوم القرآنية قد أحاط بها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. وهي للعارفين بحكم الميراث المحمدي، وهي سر الحكمة والجلال الذي يشرق في أقوال العارفين من الصوفية ...
| الحلاج وأدب السلوك الصوفي
كان الحلاج فوق رسالته الإصلاحية والربانية مربيا، وأستاذا صوفيا، في القمة السامقة، سلوكا ومعرفة. ولقد التف حول الحلاج في حياته أكبر مجموعة صوفية، في تاريخ القرن الثالث الهجري - عصر التصوف الذهبي - حتى ليقول العلامة ابن كثير: «إنه كان يلازمه في سفره الشاق الطويل أكثر من أربعمائة من صفوة المريدين السالكين.»
وفي كل بقعة في الشرق الإسلامي، من بغداد إلى أعالي الهند تكونت مجموعات حلاجية، ثم تحولت هذه المجموعات إلى جامعة صوفية، دانت للحلاج بالزعامة والولاية، واتخذت منهجه معراجا وصراطا.
وقلب التصوف الإيماني، وروحه المثالي، ورسالته الخالدة تتجلى مبينة مشرقة في مدرسة «الشيخ والمريد»، تلك المدرسة المثالية، التي أنجبت المربين العالميين، الذين ابتدعوا سبلا في التربية، وأسلوبا في السلوك، تخشع حياله، وتلقى باليدين وهي صاغرة كل مدرسة مهما سمت أدبا، وكل جامعة مهما عظمت منهجا! لقد امتدت تلك الأيدي المتوضئة المؤمنة الملهمة إلى القلب الإنساني فدرسته، وتعمقت خوافيه، وجاست خلاله، وكشفت أسراره، وأحاطت بنوازعه وخوالجه، فمسحت بنور القرآن فجوره، وأشعلت بأدب الرسول تقواه، ثم عرجت بملكاته صعودا حتى أشهدته تسبيحات الملأ الأعلى، وإشراقات الأفق الأسنى، فسجد عند ربه يقتات برضوانه، وينهل من فيضه وينعم بإلهامه.
ثم مشوا بنور ربهم إلى الروح الإنساني، فأطعموها نور الذكر، وسقوها رحيق الحب، وأشعلوها بالوجد، وبسطوها بالأنس، وصاحبوها في مقاماتها وأحوالها من النفس الأمارة إلى النفس اللوامة، ومن المطمئنة إلى الراضية.
وإن لكل مقام منهجا، ولكل حال علما وذوقا، فأسكنوها نعيما مقيما، وجنة عالية، في الأولى قبل الآخرة ... لقد أحالوا مثاليات القرآن، وأدب النبوة إلى منهج سلوكي تربوي، أخرج للناس نماذج بشرية مضيئة، لم تعرف الإنسانية بعد الرسل والأنبياء من هم أهدى منهم خلقا، أو أزكى نفسا وأتقى قلبا.
وقد أوجدت هذه التربية روحا صوفيا له طابعه وخصائصه، وهذا الروح هو سر التصوف وأفقه ومنهجه ... فقد أخذوا دينهم بقوة، وتميزوا بعزمات صاعدة؛ فهم أرباب العزائم لا الرخص، وهم الذين أيقظوا قلوبهم فلم تنم عن ربهم وهدفهم.
وهم الذين عاشوا في كل حرف من القرآن، ومع كل خلق من الرسول، فكلماتهم حياتهم، وعقيدتهم وجودهم ... قال صوفي لمحدث: «أخرجوا زكاة الحديث! قال: وما زكاة الحديث؟ قال: اعملوا بخمسة أحاديث من كل مائة حديث تحفظونها.»
والحلاج لم يستكمل تربيته الصوفية على أيدي المشايخ الكبار، لقد انفصم ما بينه وبينهم مبكرا، فحلق منفردا في القمم العالية، واصطلى وحده التجربة الصوفية كاملة، وألزم نفسه ألوانا من المجاهدة والرياضة، تعمد فيها القسوة والصرامة!
ومن هنا جاءت تلك البروق الشاطحة، وتلك الحرارة الدافقة، التي امتزجت بتعبيرات الحلاج، وطبعت مواجيده وألحانه! بل من هنا جاءت تلك الصلة الكبرى بين الحلاج وربه، تلك الصلة العالية الصوت في حياته، الصلة التي تجعلنا ونحن نقرأ للحلاج نحس برجل يعيش أنفاسه مع مولاه، فهو أنيسه وجليسه، وحبيبه ومربيه ...
يقول المستشرق ماسنيون في مقدمة كتاب الطواسين: «وليس هناك من متصوف في التاريخ أكثر «عشرة مع الله» من الحلاج الذي يتصل في حديثه معه «أنا» و«أنت» و«نحن» وليس هناك من شعر صوفي أشد حرارة وأكثر بعدا عن المادة من شعر الحلاج.»
يقول الحلاج، معبرا عن منهجه في السلوك: «إن الأسماء التسعة والتسعين تصير أوصافا للعبد السالك، وهو بعد في السلوك غير واصل.» ويقول: «من صدق مع الله في أحواله فهم عنه كل شيء، وفهم عن كل شيء ...»