تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول - مصورا للصوفي: «الصوفي يكون مع الله تعالى بحكم ما وجب، ولا يكون على سره أثر من الأكوان، ويكون وجداني الذات، لم يشهده الحق غيره، فهو أعمى عن الكون. ويكون له مع الحق نسب يحمل به الواردات، ولا يذكر برؤية الكون غير الحق.»

ذلك هو المنهج الحلاجي، أو ذلك هو الحلاج الصوفي! إنه مع الله بحكم ما أوجب، مع إرادة الله بحكم ما قضت، وليس بقلبه أثر من الأكوان، وهو وجداني الذات، لا يبصر الكون، بل إن الكون لا يرى فيه غير الحق - غير الله - ثم إن له مع الحق لصلة من الحب والوجد والفناء، تعينه على تحمل الواردات، وتذوق الإلهامات، والقيام بالواجبات.

ونستطيع أن نتذوق منهج الحلاج في آداب السلوك الصوفي، تلك الأداب التي ألزم مريديه بها، من ذلك الدستور الذي وضعه لهم ... ولقد حفظ لنا أبو عبد الله السلمي - المؤرخ الصوفي الكبير - زبدة طيبة من ذلك الدستور ...

فالسلمي: يعرض لنا أدب المريد، ثم يقيم الشاهد والدليل من كلمات الحلاج ومذهبه ... والعلامة الكلاباذي - في التعرف لمذهب أهل التصوف - قد حفظ لنا جملا من هذا التراث، أدرجها تحت قوله: «قال بعض الكبراء.» لقد كانت محنة الحلاج الهائلة ترهب الكتاب، وترهب رجال التاريخ، فتصرفهم عن اسمه، وعن تراثه!

يقول أبو عبد الله السلمي: «من آدابهم ترك التدبير، والرجوع إلى حال التسليم، قال أبو الحسين بن منصور: من سلم إلى الله أمره صنع به، وصنع له، ومن وجد الله لم يجد معه غيره، ومن طلب رضاه حباه الله بالمكنون من سره، وهو قوله

ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما .»

ومن آدابهم: دوام التوبة مما عملوا ومما لم يعملوا مما جرى عليهم من الغفلات، كذلك حكي عن الحسين بن المنصور أنه قال: «التوبة مما لا تعلم تبعثك على التوبة مما تعلم. والشكر على ما لا تعلم يبعثك على الشكر على ما تعلم؛ لأنه حرام على العبد الحركة والسكون إلا بأمر يؤديه إلى أمر الله.»

ومن آدابهم الحضور وقت الذكر، ومجانبة الذكر على الغفلة؛ لذلك قال ابن منصور: «من ذكر الله وهو يشاهد غيره لا يزداد منه إلا بعدا، ويقسو قلبه، ويكون مستدرجا لا يهتدي.»

ومن آدابهم ترك التدبير، والسعي في طلب الرزق، والسكون في كل الأصول إلى مسوق القضاء وضمان الحق، كما قال الحسين بن منصور : «من أراد أن يتذوق شيئا من هذه الأحوال فلينزل نفسه إحدى منازل ثلاث: إما أن يكون كما كان في بطن أمه - مدبرا غير مدبر، مرزوقا من حيث لا يعلم - أو كما يكون في قبره، أو كما يكون في يوم القيامة» ... وقال أيضا: «المتوكل رزقه من حيث لا يعلم بغير حساب، ولا يكون عليه فيه سؤال ...»

ومن آدابهم ترك لفظ «أنا» و«نحن» و«لي» وما أشبه ذلك، كما روي عن النبي

صلى الله عليه وسلم

أنه استأذن عليه رجل فقال: «من ذا؟» فقال: أنا - أنا - فكره ذلك رسول الله ... وحكي عن الحسين بن منصور أنه قال: «إذا قال العبد «أنا» قال الله تعالى: بل «أنا»، وإذا قال العبد: لا بل أنت يا مولاي، قال المولى: بل أنت يا عبدي، فيكون مراده مراد الله فيه ...»

ومن آدابهم: العمل في الوقوف على ما يرد عليهم من الأحوال، حكي عن الحسين بن منصور أنه قال: «حفظك أنفاسك وأوقاتك وساعاتك وما هو بك، وما أنت فيه، فمن عرف من أين جاء، عرف إلى أين يذهب. ومن علم ما يراد منه علم ما له، ومن علم ما عليه علم ما معه. ومن لم يعلم من أين أتى وأين هو وكيف هو ولمن هو فذاك ممن لا يعلم، ولا يعلم أنه لا يعلم، ويظن أنه يعلم ...»

ومن آدابهم: في معرفة الدواعي، قال الحسين بن منصور: «داعي الإيمان يدعو إلى الرشد. وداعي الإسلام يدعو إلى الإطلاق، وداعي الإحسان يدعو إلى المشاهدة، وداعي الفهم يدعو إلى الزيادة، وداعي العقل يدعو إلى المذاق، وداعي العلم يدعو إلى السماع، وداعي المعرفة يدعو إلى الروح والراحة، وداعي التوكل يدعو إلى الثقة، وداعي الخوف يدعو إلى الارتفاع، وداعي الرجاء يدعو إلى الطمأنينة، وداعي المحبة يدعو إلى الشوق، وداعي الشوق يدعو إلى الوله، وداعي الوله يدعو إلى الله، وخاب من لم يكن له داعية من هذه الدواعي! أولئك من الذين أهملوا في مفاوز التحير، وممن لا يبالي الله بهم.»

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٢٣