ومن هنا نشأت حالات الوجد العظمى، التي عرف بها الحلاج عند السماع ... والكون عند الحلاج مادي وروحي كالإنسان. والعبادة تخلق وعيا كونيا.
والإيمان عنده: قول وتصديق وعمل. والولي هو الدليل الحي على الله ... وبذلك وضع الحلاج أول مذهب كلامي فلسفي للصوفية، مما سنعرض له عرضا شاملا في الفصول القادمة إن شاء الله ... وعن الحلاج تلقت المدرسة - السالمية - فلسفتها الكلامية التي تراها عالية الصوت في تفسير السلمي.
الحلاج وتفسير القرآن
والمنهج الحلاجي الذي ذكرناه يتجلى بصورة متلألئة في تفسيره للقرآن وتفهمه لآيه ... وللحلاج تفسيرات تناولت آيات الذكر الحكيم جملة وتفصيلا، وهي تفسيرات أصابها ما أصاب تاريخ الحلاج كله، من تمزيق وتبديد.
وبقيت من هذه التفسيرات لمع ترشد إلى المنهج، وتومئ للفكرة. وأبو عبد الرحمن السلمي يدور في تفسيره الصوفي حول نظرات الحلاج في التفسير. كما حفظ لنا العلامة روزبهان البقلي في تفسيره «عرائس البيان» شذرات من تفسير الحلاج نقتبس منها نماذج لهذا اللون من التفسير والتفكير.
يقول الحلاج في تفسيره لقوله تعالى:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم : «العبد مبتلى بالأمر والنهي، ولله في قلبه أسرار تخطر دائما، فكلما خطر خاطر عرضه على الكتاب فهو طاعة الله، فإن وجد له شفاء وإلا عرضه على السنة، وهي طاعة الرسول، فإن وجد له شفاء وإلا عرضه على سير السلف الصالحين، وهو طاعة أولي الأمر.»
ويقول في تفسير قوله تعالى:
ألست بربكم قالوا بلى
حينما سأل الأرواح في عالم الذر «... لا يعلم أحد من الملائكة المقربين لماذا أظهر الحق الخلق؟ وكيف الابتداء والانتهاء؟ إذ الألسن ما نطقت، والأعين ما أبصرت، والأذن ما سمعت. كيف أجاب من هو عن الحقائق غائب، وإليه آيب. في قوله «ألست بربكم» ...؟ فهو المخاطب والمجيب ... قالوا: بلى؟ القائل عنكم سواكم، والمجيب عنكم غيركم، فسقطتم أنتم، أو بقي من لا يزل، كما لم يزل.»
ويقول في تفسير قوله تعالى:
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم : «نفوس المؤمنين غالية، لا تباع ولا تشترى، ولا تذل، فلا يملكها سواه.»
ويقول في تفسير قوله تعالى:
فذلكم الله ربكم الحق : «الحق: هو المقصود بالعبادات، المصعود إليه بالطاعات، لا يشهد بغيره، ولا يدرك بسواه.» قال أبو عبد الرحمن السلمي: «سئل الحسين بن منصور: من هو الحق الذي تشيرون إليه؟ قال: معل الأنام، ولا يعتل.»
وفي تفسير قوله تعالى:
وجعلنا بعضكم لبعض فتنة : «المحنة لخواص أوليائه، والفتنة لعامة الناس.» ثم يقول: «أبدى الله الأكوان كلها بقوله: «كن» إهانة لها وتصغيرا، ليعرف الخلق إهانتها، فلا يركنوا إليها، ويرجعون إلى مبدئها ومنشئها، فاشتغل الخلق بزينة الكون فتركهم معه، واختار من خواصه خصوصا أعتقهم من رق الكون، فأحياهم به فلم يجعل للعلل عليهم سبيلا، ولا للآثار فيهم طريقا.»
ويقول في تفسير قوله تعالى:
وهو معكم أين ما كنتم : «ما فارق الأكوان الحق وما قارنها، كيف يفارقها وهو موجدها وحافظها؟! وكيف يقارن الحدث بالقدم؟! قوام الكل، وهو بائن عن الكل.»
وفي تفسير قوله تعالى:
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم
قال: «هو معهم علما وحكما، لا نفسا وذاتا.»
وقال في تفسير قوله تعالى:
وصوركم فأحسن صوركم : «أحسن الصور: صورة أعتقت من ذل «كن» ... وتولى الحق تصويرها بيده، ونفخ فيها من روحه، وألبسها شواهد البعث، وجلالها بالتعليم، وأسجد لها الملائكة المقربين، وأسكنها في مجاورته، وزين باطنها بالمعرفة، وظاهرها بفنون الخدمة، وخلق آدم على صورته - أي صورته التي صوره عليها - فأحسن صورته.»
ويقول في تفسير قوله تعالى:
فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون : «ما اختزن من خلقه الذي لم يجر القلم به، ولم يشعر الملائكة بذلك. وما أظهر الله للخلق من صفاته، وأراهم من صنعته، وأبدى لهم من علمه في جنب ما اختزن عنهم، كذرة في جميع الدنيا والآخرة! ولو أظهر الله تعالى من حقائق ما اختزن لذاب الخلق عن آخرهم فضلا عن حملها ...»