تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتحولت مساجد بغداد ومدارسها وندواتها إلى ساحات للحرب الفكرية، بين فرق وألوان ومذاهب لا حصر لها ... وإلى ساحة بغداد، بل إلى ساحات الصراع المشبوب الأوار دلف الحلاج، تحيط به حاشيته، وتسبقه دعوته! واهتزت عمائم العلماء في أروقتهم الفكرية، وتطلعت حلقات الصوفية وأرهفت سمعها، وترددت همسات في قصر الخلافة، وتخاطفت الجماهير الأحاديث الملونة عن الرجل المبارك، صانع المعجزة والكرامة!

ومن ثم رأينا التاريخ يحدثنا عن شيوخ كبار من البيئات الصوفية والفقهية، وعن أئمة من أساتذة الكلام والتوحيد والفلسفة، وهم يسعون إلى الحلاج ويلتمسون لقاءه والتحدث إليه! وفي شهواتهم جدل عنيف، وفي عقولهم تحد غليظ، وفي قلوبهم تلهف حار، يحاول أن يتعمق فهم رسالة الداعية الذي تحيط به الرعود والبروق.

وتعددت الاجتماعات، وتوالت الندوات، وطال الجدل والحوار، والتهبت الكلمات، واختصمت العقول وتفرقت القلوب، وأصبحت الخصومة سافرة؛ فقد جاء الحلاج إلى بغداد يحمل منهجا ورسالة، ويندفع إلى عنف في هدف وغاية.

ولم تكن البيئات العلمية في بغداد على استعداد عقلي لأن تسلم للحلاج بمنهجه الصوفي، بنسكه ومواجيده وأذواقه، ولم تكن المجتمعات الصوفية في بغداد على استعداد نفسي يؤهلها لأن تسهم مع الحلاج في دعوته الإصلاحية، وأهدافه الثورية.

المنهج الحلاجي

ومن ثم حفظ لنا تاريخ الحلاج - رغم غموضه وتمزقه - مناظرات وجدليات خاض الحلاج غمارها ضد مفكري عصره وعلمائه ومتصوفيه، كما حفظ لنا تراثا حلاجيا يشكل منهجا فكريا متكاملا متناسقا، له طابعه العلمي، وخصائصه الروحية!

وهذا المنهج الحلاجي الثقافي يتسم في كل جزئية من جزئياته بذلك الوجد الصوفي، والحب الإلهي، الذي استأثر بعقل الحلاج وقلبه وروحه، استئثارا ملحا عنيفا.

الحلاج وعلماء الكلام

وعلى ضوء هذا المنهج نستطيع أن نتفهم محاولات الحلاج مع علماء الكلام، في الأمر والإرادة والمشيئة الإلهية، وفي أفعال العباد وتعلقها بالقضاء والقدر.

فالحلاج يعتمد على التجربة الصوفية المباشرة، لحل مسألة الصلة بين اللطف الإلهي والقضاء والقدر ... تلك المشكلة التي ترجع إلى النزاع بين الخير الذي يأمر به الله - الأمر - وبين الشر الذي يتنبأ بوقوعه - الإرادة - ويرضى الحلاج بهذا النزاع بدلا من أن يخفيه، فهو يعلم ألا حيلة للعلم في الوصول إلى الماهية الإلهية، بل إن الحب هو الطريق إليها؛ إذ ليست المعرفة الفكرية للقضاء الإلهي هي التي تقربنا من الله، بل إنما هو خضوع القلب للأمر الإلهي في كل لحظة؛ لأن الأمر غير مخلوق، بينما الإرادة مخلوقة ...

وهكذا يضع الحلاج حدا لنقاش متكلمي عصره حول هاتين الكلمتين - الأمر عين الجمع، والإرادة عين العلم - فكل قلب إذن يشغله السعي وراء الجزاء عن حرمة الأمر، إن هو إلا مرتزق، وليس بخادم حق الله.

وقد تبنت السالمية هذه التفرقة ونمتها، مستشهدة على ذلك بموضوع طاسين الأزل للحلاج، فلقد كان أمر الله في دعوته إبليس لأن يسجد لآدم أمرا شكليا، ولم تكن تلك إرادته، وإلا لسجد إبليس! لأن كل ما يريده الله واقع لا محالة ... ذلك هو موضوع البلاء الذي لا مفر منه للإنسان كي يكون قديسا.

19

ولهذا يوصي الحلاج المريد بأن يكون مع الحق بحكم ما أوجب، ويقول: «من لم يؤمن بالقدر فقد كفر، ومن أحال المعاصي إلى الله فقد فجر.»

وأسماء الله سبحانه عند الحلاج من حيث الإدراك أسماء، ومن حيث الحق حقيقة، وكان يقول: «لا يجوز لمن يريد غير الله، أو يذكر غير الله، أن يقول عرفت الله. ومن عبد الله لنفسه فإنما يعبد نفسه، ومن استصحب كل نسك في الدنيا والآخرة وهو جاهل لا يقرب من الله أبدا.»

والصلاة عند الحلاج هي المعراج الذي يصل النفس مباشرة بالله. وقراءة القرآن عنده إنما تكون بإحساس ومشاهدة، فكأن الله سبحانه يتلو على لسان القارئ، أو كأن القارئ يستمع إلى الله سبحانه.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٢٠