تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الميل إلى مقتضيات الشهوة فغريب عن ذات الإنسان، وعارض على طبعه، وإنما أصبح مألوفا بالعادة السيئة، ولهذا أصبح الطفل أمانة في عنق ذويه؛ فليتقوا الله في أمانته وليحافظوا على تربيته، وليتجهوا به الوجهة الصالحة التي خلق لها، وليجنبوه مهاوي الضلال وفاسد العقائد والعادات.

ومسألة الفطرة البشرية، وهل الشر أصيل في النفوس أو دخيل عليها مسألة تطاحنت فيها العقول واختلفت، ولم نر فيصلا تطمئن إليه القلوب في هذا الاختلاف.

ولكن الغزالي يلبس تلك الفكرة ثوب الدين؛ فيرى أن الميل إلى الحكمة وحب الله وعبادته أمر رباني في القلوب أصيل لا دخيل، وإنما فاسد الأخلاق هو الذي يميل بالنفس إلى الهوى ومجانبة الحق وارتكاب الشر.

والغزالي بذلك يعلي من شأن الروح البشري، ويعلي من شأن الفطرة الأولى، ويعلي مكانة الإنسان عند ربه، حتى إنه يخلقه مهيأ للخير مجلوبا عليه،

فطرة الله التي فطر الناس عليها .

الخلق والتخلق

والغزالي يرى أن تربية الخلق الفاضل تكون بالتخلق؛ أي حمل النفس على الأعمال الصالحة الطيبة، ومن هنا نشأ اهتمام الغزالي بالرياضة الروحية وتقديره إياها وإيمانه بضرورتها، ويقرر أن كسب الخلق بسبب التخلق من عجيب العلاقة بين القلب والجوارح، ويعلل ذلك بقوله: «كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح، حتى لا تتحرك إلا على وفقها، وكل فعل يجري على الجوارح يرتفع منها أثر إلى القلب، والدليل على ذلك أن من أراد أن يصير الحذق في الكتابة صفة نفسية له، فلا طريق له إلا أن يتعاطى بجارحة اليد ما يتعاطاه الكاتب الحاذق، ويواظب عليه مدة طويلة، يحاكي الخط الحسن، حتى يصير صفة لازمة له، بعد أن كان في الابتداء تكلفا.

وكذلك من أراد أن يكون حسن الخلق فعليه أن يحاكي ذوي الأخلاق الحسنة، حتى يصبح بالتكرار منهم.»

واجب المرشد الأخلاقي

الخلق السيئ عند الغزالي: هو مرض القلب، فإذا كان الجهل يعالج بالتعليم، ومرض البخل بالتسخي، فسوء الخلق يعالج بمجاهدة النفس.

وكما أنه لا بد من احتمال مرارة الدواء، ومشاق التعليم، فلا بد أيضا من احتمال مرارة المجاهدة، والصبر على احتمال المداومة على تلك المجاهدة.

والغزالي طبيب نفساني ماهر، فهو يرى أن الدواء إذا زاد قتل، وإن قل أخفق، وأن هذا الدواء قد ينفع لشخص ما ويضر غيره، وكما أن الطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد قتل أكثرهم، فكذلك المرشد لو أشار على المريدين بنمط واحد من الرياضة والمجاهدة أهلكهم وأمات قلوبهم، بل ينبغي أن ينظر في مرض المريد وحاله وسنه ومزاجه وبيئته، ويبني على ذلك حكمه وعلى هذا الهدي يقرر نوع رياضته.

وتلك لفتة بارعة من الغزالي، فلكل نفس حالتها ومزاجها الخاص، فإذا لم يراع في تهذيبها ظروف البيئة والمزاج والاستعداد النفسي لم يصل المربي إلى غايته، ولم يحصل داعي الأخلاق على أمنيته.

الصفات التي يجب تهذيبها

الفضائل في مجموعها عند الغزالي تنحصر في معنيين؛ جودة الذهن والتميز، وحسن الخلق، فجودة الذهن ليميز طريق السعادة والشقاء، وليعتقد الحق في الأشياء ببراهين قاطعة مفيدة لليقين، لا عن تقليدات ضعيفة ولا عن تخيلات واهية، وأما حسن الخلق فإنه يزيل جميع العادات السيئة التي عرف الشرع تفاصيلها فيتجنبها، ويتعود العادات الحسنة ويشتاق إليها.

ثم ينتقل الغزالي من ذلك إلى تفصيل القوى النفسية التي يجب تهذيبها، فيحصرها في ثلاث قوى رئيسية.

قوة التفكير، وقوة الشهوة، وقوة الغضب.

فإذا هذبت قوة التفكير كما ينبغي حصل بها الحكمة التي أخبر الله عنها بقوله:

ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، وثمرتها أن يتيسر له التفريق بين الحق والباطل في الاعتقادات، وبين الصدق والكذب في المقال، وبين الجميل والقبيح في الأفعال، ولا يلتبس عليه شيء من ذلك.

الغزالي · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الغزاليص ٢٤