تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القوة الثانية: هي الشهوة، وبإصلاحها تحصل العفة؛ حتى تنزجر النفس عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتنقاد للمواساة والإيثار المحمود بقدر الطاقة.

والثالثة: الحمية الغضبية، وبقهرها وإصلاحها يحصل الحلم، وهو كظم الغيظ وكف النفس عن التشفي، وتحصل الشجاعة وهي كف النفس عن الخوف والحرص.

فإذا أصلحت القوى الثلاث وضبطت على الوجه الذي ينبغي، وإلى الحد الذي ينبغي، وجعلت القوتان منقادتين للثالثة التي هي الفكرية العقلية؛ فقد حصلت العدالة، وبمثل هذا العدل قامت السموات والأرض، وهي جماع مكارم الشريعة وطهارة النفس وحسن الخلق، كقوله

صلى الله عليه وسلم : «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا وألطفهم بأهله»، وقوله: «أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون.»

أمهات الفضائل النفسية

وانتقل الغزالي من تلك القوى الثلاث التي يجب تهذيبها إلى الفضائل النفسية، فقسمها إلى أربعة أصول رئيسية تشتمل شعبها وأنواعها على الفضائل عامة، وهي:

الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدالة.

فالحكمة فضيلة القوة العقلية، والشجاعة فضيلة القوة الغضبية، والعفة وكمالها الورع فضيلة القوة الشهوانية.

فالحكمة:

تنطوي تحتها العلوم اليقينية الصادقة التي لا تختلف باختلاف العصور والأمم، كالعلم بالله تعالى وصفاته وكتبه ورسله وأصناف خلقه في العالم، والعلوم التي تساس بها قوى النفس، وتساس بها الجماعات والأمم.

والشجاعة:

وكمالها المجاهدة والعدالة، ينطوي تحتها الكرم والنجدة وكبر النفس، والاحتمال والحلم والثبات والنبل والشهامة والوقار.

والعفة:

وينطوي تحتها الحياء والخجل، والمسامحة، والصبر، والسخاء، وحسن التقدير، والانبساط، والدماثة، والانتظام، وحسن الهيئة، والقناعة، والهدوء، والورع، والطلاقة، والظرف والمساعدة.

والعدالة:

وكمالها الإنصاف، الإنصاف العام؛ فلا تحب لأخيك إلا ما تحب لنفسك، وتكره لأخيك ما تكرهه لنفسك، وتعطي الحق كاملا.

فالعدالة جامعة لجميع الفضائل، والجور مقابل لها، وهو جامع لجميع الرذائل.

تلك هي جماع الفضائل النفسية عند الغزالي، وهو يشرح كل واحدة منها شرحا كاملا شاملا، مستمدا أدلته من الكتاب والسنة والكشف والأمثال.

ثم يعقبها بالفضائل البدنية، ويحصرها في أربعة أمور: الصحة، والقوة، والجمال، وطول العمر.

ولكل واحدة من تلك الفضائل عنده معان وصفات وأهداف وواجبات، تستغرق من بحوثه صفحات وصفحات.

ثم يتم هذه الفضائل بفضائل يسميها: «فضائل مطيفة بالإنسان»، وهي أربعة أمور أيضا: المال، والأهل، والعز، وكرم العشيرة.

ولا يتم الانتفاع بشيء من ذلك إلا بالنوع الخامس من الفضائل، وهي الفضائل التوفيقية، وهي أربعة: هداية الله، ورشده، وتسديده، وتأييده.

ذلك هو الدستور الخلقي للغزالي، وهو دستور تشتمل عليه طائفة كبيرة من كتبه، وينثره كالعطر بين أسطره وفصوله، في مختلف كتبه وفنونه.

وهو دستور وإن لم يخضع للقواعد النفسية والنظريات العلمية الحديثة - بل خضع خضوعا تاما للفكرة الدينية والآداب الإسلامية - فقد حقق كثيرا من أهدافه ومراميه، واستطاع أن يكون إماما مرشدا للملايين، أحقابا وقرونا.

هو دستور أوجد في الشرق مدرسة تأدبت بآدابه، وتتلمذت على فضائله، بل قد هيمن هذا الدستور على أهداف الوعظ الإسلامي هيمنة كاملة ملموسة الأثر إلى يومنا.

| الغزالي وصلات الرجل بالمرأة

حديث الغزالي عن المرأة مطبوع دائما بطابع الخلق الكريم؛ فهو يقيم صلات الرجل بالمرأة على آداب عليا وتقاليد مهذبة، لا تجنح إلى الشدة ولا تدفع إلى الاستهتار.

فهو يقرر أن سيادة البيت للرجل، وبدون تلك السيادة لا تستقيم الحياة ولا توجد السعادة، فمن أطاع المرأة وملكها نفسه فقد عكس القضية؛ إذ حق الرجل أن يكون متبوعا لا تابعا، وقد سمى الله تعالى الرجال «قوامين على النساء»، وسمى الزوج «سيدا» فقال تعالى:

الغزالي · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الغزاليص ٢٥