تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأخلاق لديه صفات مثالية، أو إن شئت فهي محاولة صادقة لإنشاء إنسانية فاضلة وخلق مجتمع بشري سعيد.

أسلوبه وطريقته

يقول العلامة ماكدولاند: «إن الغزالي في وعظه وأخلاقياته وتعاليمه النفسية عاد فأدخل عنصر الخوف، فقد جعل في كتابه «المنقذ من الضلال» وغيره من الكتب يؤكد وجوب إلقاء الرعب والوجل في النفوس العامة، مناديا بأن الأمر لم يعد يستوجب الملاينة والمصانعة والرفق والتأميل والتفاؤل؛ بل لقد وجب أن تبين للناس حقيقة الجحيم وعذابها الأليم، فقد أحسها هو في نفسه وشعر بها في أعماقه، وقد رأيناه كيف تجرد من المتع، وأخضع النفس للزهد والنسك والحرمان، وجعل الخوف من النار الباعث الأكبر على هدايته واجتنابه الضلال والهوى».

كانت طريقة الغزالي التي ترمي إلى التهويل وإلقاء الرعب في القلوب ملائمة لعصره الذي لم يعد الأمر فيه - كما يقول ماكدولاند - يستوجب المصانعة والملاينة، ذلك العصر الذي أسرف على نفسه في الشكوك والأوهام، وأسرف على نفسه في الترف والملاذ، وأسرف على نفسه في التنابذ والخصام، فقاوم الغزالي تلك الروح المسرفة العابثة بأسلوب ملتهب حار يبرق فيه التهديد والوعيد، وتتمثل فيه أهوال العقاب والثواب.

وأسلوب الغزالي فوق عنفه وقسوته يخفق على القرطاس نابضا بالحياة، ويتسلل إلى القلوب مناجيا الضمائر والأحاسيس، حتى ليشعر قارئ الغزالي بروح يتكلم في أعماق، ويحس شخصية الغزالي تناجيه وتلازمه، وتسيطر على أفكاره واتجاهاته.

والغزالي كاتب مصور بارع الخيال، يمتلك في يسر وبساطة حاسة الخيال الفني؛ فهو فنان في أخيلته، فنان في تصويره، فنان في أمثلته وتشبيهاته.

انظر إليه كيف يشبه من يحسب أن المحسن أحسن باختياره، إنه يشبهه بالنملة ترى سواد الخط على بياض القرطاس يحصل من حركة القلم، فتضيف ذلك إلى القلم؛ إذ حدقتها الصغيرة الضعيفة لا تمتد إلى الإصبع، ومنها إلى اليد، ومنها إلى القدرة المحركة لليد، ومنها إلى الإرادة، ومنها إلى المعرفة، ومنها إلى صاحب القلم والقدرة والإرادة.

فأسلوب الغزالي في أخلاقياته يستمد قوة عرضه وقوة تأثيره من حاسة الخيال الفني، فإذا تكلم عن فضيلة من الفضائل عمد إلى ذكر ما ورد في حمدها من الآيات في اختيار بديع بارع، ثم يسرد ما جاء عنها من الأحاديث، ثم يعقب بالآثار، وينطلق بعد ذلك مؤيدا قوله بالقصص والأمثال التي تأسر قلب القارئ، وتصور في نفسه محبة تلك الفضيلة، وما لها من خطورة وجلال.

فإذا تكلم عن رذيلة، من الرذائل، طرق هذا النهج أيضا مضيفا إليه إلهاب الكرامة النفسية في القلب، وتنفير تلك الكرامة من أن تتدنس برذائل حيوانية حقيرة.

أما ميزة أخلاقيات الغزالي الكبرى فهي صلاحيتها الخالدة لكل جيل وعصر، وصلاحيتها الخالدة لكل قارئ على اختلاف الثقافات والبيئات أسلوبا ومعنى.

تربية الخلق أو العادة

وللعادات عند الغزالي تأثير كبير في تكوين الخلق، حتى إن الخلق بحكم العادة يصبح عبارة عن هيئة في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة، من غير حاجة إلى التفكير والروية؛ فالخلق عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة، ولهذا السبب نرى الغزالي يتشدد في الأمور الطفيفة المتعلقة بالأخلاق؛ لأنه يؤمن بأنها ستكون مقدمة لما هو أشنع، وبأنها ستصبح صورة لازمة.

وهو يقرر أن النفس إذا كانت تستلذ الباطل وتميل إليه بالعادة، فكيف لا تستلذ الحق لو ردت إليه والتزمت المواظبة عليه؟!

كما يقرر أن النفوس بفطرتها خيرة تميل إلى الخير، أما هذا الميل إلى الأمور الخسيسة فهو أمر خارج عن الطبع، يضاهي الميل إلى أكل الطين، وقد شاهد الغزالي قوما يستطيبونه بحكم تغلب العادة والاستمرار عليها.

إن النفوس خلقت بفطرتها تهوى الحكمة وحب الله ومعرفته وعبادته، وهو أمر أصيل لا دخيل؛ لأنه وحي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وميل غريزي كالميل إلى الطعام والكلام، وهو ضروري للقلب؛ لأنه أمر رباني.

الغزالي · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الغزاليص ٢٣