تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالأخلاق عند الغزالي شريعة شاملة للحياة بأسرها، شريعة لها مثلها العليا وأهدافها السامية المرتفعة إلى السماء، ثم هي أيضا تعيش معنا على الأرض متصلة اتصالا وثيقا بكل حركة من حركات الروح والقلب والعقل والبدن.

وقد عاب الماديون على الغزالي أن فلسفته الخلقية فلسفة سلبية لا تلائم الحياة العملية، ولا تصلح في معترك الحياة وزحام الوجود، ولا تعد صاحبها للكفاح والنضال والغلبة والسيادة.

عاب الماديون على الغزالي هذا، وكأنهم يريدون أن يسمعوا من الأخلاق رنين السيوف لا همسات السلام، وصيحات القتال لا نداء الرحمة والوئام.

عابوا على الغزالي فلسفته الأخلاقية؛ لأنها تريد أن تبتدع مجتمعا فاضلا معطرا بصفاء الروح وطهارة القلب والحس والجوارح، طهارة لا تعرف الغل والحسد، ولا تقر الغش والتزييف، ولا ترضى التواثب والتلاحم، وتنكر الصراع والنزال.

وعابوا على الغزالي فيما عابوا أنه مزج الدين بالأخلاق، والروحانيات بالفضائل، ولم يمزجها بعلم النفس، ولم يقم صروحها على نداءات الجنس، وضرورات الشهوة، ودوافع المجد والنصر في الروح البشرية.

عابوا على الغزالي وأسرفوا، ثم عابوا وأسرفوا، فأخطئوا وأسرفوا في الخطأ؛ لأن أخلاقيات الغزالي لا توزن بتلك الموازين الجامدة المتشائمة التي صور أصحابها الناس بألوان من الشهوات وألوان من الغايات وألوان من النزوات، لا يستقيم معها خلق ولا يسود فيها دين.

أما الميزان الصادق الذي يقام في ساحة العدالة الفكرية، عند دراسة تلك الأخلاق، فهو ميزان الآداب السماوية، وميزان المثالية الخلقية.

فالغزالي حينما وضع دستوره الأخلاقي كان يمسك بيمناه ميزان عدل وهدى، الأخلاق عنده هي كل ما يرفع النفس، ويسمو بالحياة إلى مناطق النور والصفاء، والرذائل لديه هي كل ما يفسد الجسم والنفس والعقل، ويبعد الروح عن مناطق النور والصفاء.

فإذا دعا الغزالي إلى عدم التكالب على الرزق، والتفاني في الحرص على متاع الحياة، وذهاب النفس حسرات على مباهجها، فذلك لأنه يحتقر المال والجاه والسيادة إذا كان في الفوز بها صفة من تلك الصفات التي تمس الخلق القويم.

وإذا نادى بكف النفس والعقل واليد عن مطامع الحياة، وكف النفس والعقل واليد عن المتاع الزائل والمجد الزائف والصراع الباطل، فليس لنا أن نقول للغزالي إن هذا الزهد في الحياة يقتل بواعث المجد في النفوس، ويخمد شعلة التوثب والفوز في القلوب.

فالغزالي لم يتخيل الدنيا ملحمة بين كباش تتناطح، وإنما تصورها حنانا ورحمة وطاعة وعبادة، فالمجد عنده مجد النفوس المطمئنة المتحابة، والنصر لديه هو الفوز على النزوات والشهوات والتطهر من الرذائل الهابطة إلى الظلمات.

نظر الغزالي إلى الحياة الدنيا باعتبارها وسيلة لا غاية، وعبادة لله لا للدرهم والدينار والتغالب والتفاخر والتنابذ بالألقاب.

كتب الغزالي أخلاقياته للمجتمع الإسلامي الفاضل الذي يؤمن به ويدعو إليه، ومن ثم ابتدع له أخلاقا كاملة على أسس دينية وطاعات روحية وقلبية.

فليس لنا أن نقول له إنك أهملت ما كشف العلم الحديث من علوم وفنون، فالعلم الحديث يقرر أن الجنس هو المحرك الأول للوجود والملون الأول للأخلاق والبواعث القلبية والنفسية، وأنت تقسو على الجنس وتغالي في قمعه وتهذيبه، وتغالي في عدم الاعتراف بسلطانه وجبروته.

وليس لنا أن نعترض عليه بأن الحياة هي القوة، والتوثب للمجد، والتطاول والتفاخر بالمال والجاه، وما إلى المال والجاه من متاع وسلطان.

وليس لنا أن نقلل من شأن أخلاقيات الغزالي؛ لأن روح الزهد والقناعة تترقرق واضحة بين أسطرها، وعطر المحبة والعبادة يتضوع من شمائلها وأعطافها.

الأخلاق عند الغزالي نشيد لم يترك وجهة من وجهات الحياة إلا ألقى عليها النور والرحمة والإيمان والسلام.

الغزالي · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الغزاليص ٢٢