تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا روجع فيه قال: اشتغلت به؛ لأنه علم الدين وفرض كفاية، ويلبس على نفسه وعلى غيره في تعلمه.

ولو كان غرضه الحق في تعلم فرض الكفاية لقدم عليه فرض العين، بل قدم عليه كثيرا من فروض الكفاية، فكم من بلد ليس فيه طبيب إلا من أهل الذمة، ثم لا ترى أحدا يشتغل به ويتهاترون على علم الفقه لا سيما الخلافيات والجدليات، والبلد مشحون من الفقهاء.

فليت شعري! كيف يرخص فقهاء الدين في الاشتغال بفرض كفاية قد قام به جماعة إهمال ما لا قائم به؟ هل لهذا سبب؟ إلا أن الطب ليس متيسرا به الوصول إلى تولي الأوقاف والوصايا وحيازة أموال اليتامى، وتقلد القضاء والحكومة والتقدم به على الأقران والتسلط به على الأعداء.

تلك أخلاق العلماء والفقهاء في عصره، وهذا مبلغها من الفساد وفهم الشريعة والأخلاق، وإذا فسد العلماء والفقهاء فسدت الجماهير وفسدت الصورة النبيلة التي للدين.

وقد استطاع الغزالي أن يظفر بنصر كامل، بل استطاع أن يدفع قافلة الحياة في عصره إلى وجهة جديدة، وأن يحمل الناس على نهج جديد لا تزال آثاره تسود عصرنا وتهيمن على توجيهاته رغم القرون والأحقاب.

يقول العلامة ماكدولاند: «إن الغزالي عاد بالناس من الجري في أثر النظريات والجدل، والفقه والمنطق والعلوم الدينية، واختلاف المذاهب والطرق، إلى الحياة الحقيقة والاتصال الملابس للدين والسنة والكتاب، بل إلى روح الدين ذاته وجوهره ولبابه دون القشور والسطوح والمسائل النظرية الكثيرة العقد، وإن ما وقع في أوربا عند تحطيم نير الفلسفة المذهبية في القرون الوسطى، بل إن ما هو اليوم بالذات واقع بسبيل هذا، ونحوه قد وقع بالفعل في الإسلام لعهد إمامة الغزالي وزعامته الفكرية، وقيامه بدعوته وأداء رسالته.

وقد كان في وسعه أن يكون فقيها مع الفقهاء ومذهبيا مع المتبذهبين، ولكن طريقته في الحق وفضله ينحصران في توفره على إبراز الكتاب والسنة، وجعلهما أساسا علميا لا تحول عنه ولا تبديل له، وقد ظهر دائما أن الانطلاق من البحث النظري عن الحقائق والجدل فيها، والحوار المقيم عليها، إلى الأخذ بهذه الحقائق الأساسية في غير جدل عقيم، وبحث غير مجد؛ هو في الواقع الفرار من النزعة المذهبية، والتخلص من نيرها المستبد الأليم.

وقد حاول الإمام أبو الحسن الأشعري ذلك بالذات قبل الغزالي بمائتي سنة، كما حاوله ابن رشد كذلك بعد مائة سنة من رحيله، وكما فعل في عهدنا هذا «إسبرنجر» إذ أراد أن يدخل حياة جديدة على الإسلام في الهند فلم يوفق وعاد فاشلا، ونحسبه لم ينجح لأن المهمة كانت شاقة عصيبة عليه، أو لأنه لم يكن له من الإيمان والشخصية ما كان للغزالي من ذلك كله.»

ولا جدال في أن الغزالي - كما يقول ماكدولاند - قد انتصر بإيمانه وشخصيته، وما كان لرجل أن ينتصر في تلك المعركة إلا بإيمان لم يهن، بل يلهم وينتصر، وشخصية تحمل جيلها على الإجلال والإيمان.

| دستور الغزالي الخلقي

الغزالي أكبر كاتب خلقي عرفه الفكر الإسلامي، بل لعله أكبر كتاب الأخلاق الدينية في العالم.

فقد جعل الأخلاق رسالته العليا، وربط الأخلاق بالدين رباطا لا انفصام له، بل جعل الأخلاق هي روح الدين، والغاية منه، وأضفى على العبادات أصولها وفروعها ألوانا خلقية تحببها إلى النفوس، وتعطرها في القلوب، وتملأ الحس خشوعا وإيمانا وجلالا.

فللصلاة آدابها التي هي الروح والهدف، وللصيام برنامجه الخلقي الذي لا يستقيم بدونه، وللنفس والقلب ولكل جارحة من الجوارح وخاطرة من الخواطر صفة خلقية، ودعوة إلى تطهير وتزكية، حتى همسات القلب ، وسوانح الفكر، يقيدها الغزالي وينظمها ويضع لها دستور الكمال.

وتساير أخلاقيات الغزالي الإنسان في مأكله ومشربه ومنامه وحله وترحاله، وتلازمه في تصرفاته مع الأصدقاء والأهل والزوج والولد والمجتمع والعالم.

الغزالي · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الغزاليص ٢١