تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مَّسْئُولُونَ ? مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (1)}

وهذا الذي قاله إبراهيم الخليل لهم في الدنيا هو ما سيقع منه حقًا يوم القيامة كما ذَكر عما سيقوله قومه يوم القيامة وهم في النار كما في سورة الشعراء: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ? تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ? إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ? وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ? فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ ? وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (2)﴾، فقول الخليل - عليه السلام - موافق لحاله وهو يقطع حباله معهم هذه إذْ يريد هجرهم وترك الصلة بهم، وهذا إنما وقع بعد النجاة من النار. وهذا الإعلان الإبراهيمي هو شعار المؤمنين في الكفر بالمودة القائمة على صلات الكفر والضلال، فإنها وإن رأى الناس أنها نافعة لهم في الدنيا بما تجلب لهم من شهوات عاجلة إلا أنها عذاب وغضب يوم القيامة.

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ فهو قد يقع معناه في الدنيا إن وقع بعض معاني يوم القيامة في هذه الدنيا، فإنه إن وقع لهم بعض الخسران في الدنيا، ورأوا أن هذه المودة لم تحقق لهم شهواتهم فإنه سيقع بينهم ما ذكر الله عنهم يوم القيامة من الكفر ولعن بعضهم بعضًا.

وقوله تعالى: ﴿أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ﴾ فيها بيان إحدى آثار اتخاذ الشرك في الدنيا، وما يريده المشركون منه، فها هو الشرك بعبادة الأوثان يتخذ بين الناس علاقة سياسية واجتماعية بينهم، وليس مجرد أمرٌ تعبُّدي مجردٌ لا تأثير له على سلوك الناس ومواقفهم كما يظن البعض، بل إن الشرك النُسُكي في العبادة، تسير آثاره إلى مواقف الناس ولاءً وبراءً، وحبًا وبغضًا، فتصبح العُصبة على أساسها دون غيرها، ولذلك من يظن أن عبادات الناس هي أمر قلبي لا أثر له على مواقفهم السياسية والاجتماعية هم واهمون، بل قد انطلت عليهم ألاعيب الشيطان، وهو أمر بَيِّن في حياة البشرية تاريخًا وحاضرًا ولكن يأبى بعض الزنادقة المنتسبين للإسلام إلا الإنكار على أهل الإسلام أن يكون الدين هو الجامع لهم، وهو الرابط بينهم، بغضًا للدين وكراهية لوشائج الحب الإيمانية، وإنكارًا لأحكام الشرع.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ دلَّ على التشريع، وهو أمرٌ اتفاقيٌّ بينهم تَمالؤوا عليه وجعلوه دينًا، وقد دل هذا على أن أي تشريع يتخذه البشر في التواد والترابط والتناصر على غير حكم الله تعالى هو اتخاذ شريك مع الله تعالى، وهو كفر به، ودين إبراهيم ومِلَّته يوجبان هجرانه، وبهذا الموقف الذي سلكه إبراهيم مع قومه تعلم موطنًا جديدًا من مواطن قصته في سياق السورة، بل في عنوان السورة وهو الهجرة في سبيل الله تعالى؛ لأن الهجرة

(1) الصافات:22 - 25

(2) الشعراء:96 - 101

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٩٩