مبتدؤها هذا الإعلان الإبراهيمي وهو قطع المودات والعلائق والصلات الجاهلية، والدخول في مودّة الإيمان والولاء له.
فقوم إبراهيم قد استقرت موداتهم على معاني الشرك والضلال، وها هو يعلن أن هذه مودات باطلة، ويجعل ميزان ضلالها عدم صلاحيتها ليوم القيامة، وهو دين الله القويم الذي يُخطِّؤه زاعموا الفكر الإسلامي اليوم حين يقومون حياة البشر وروابطهم على مصالح الدنيا ومنافعها، ويُرجؤون أمر الآخرة إلى الأمر القلبي فقط، فإيمانك بالقلب، أمّا مواقفك فهي بما يتخذ الناس من تشريعات، وما يَتمالؤون عليه من قِيَم، وهم - ولا شك - سيتخذون ما فيه منفعتهم الظاهرة العاجلة في الدنيا، ولو تقدم المؤمن لهم بالقول كما قال إبراهيم - عليه السلام - لاستنكروا ذلك منه.
والاستقرار على الباطل ليس نعيمًا كما يظن الجاهلون، بل هو من موجبات بعثة الرسل كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ (1) وذلك أن الناس قبل كُلِّ نبي يكونون أُمَّةً واحدةً في الشرك والكفر، فيأتي النبيُّ فيفرقهم على أساس الإيمان، وهذا الافتراق والاختلاف هو الحق وهو المحبوب إلى الله تعالى، وهو على الضد من مراد الضالين والجاهلين الذين يريدون الناس يدًا واحدةً حتى وإن كانوا على الباطل.
فإبراهيم - عليه السلام - دعاهم إلى الله، وحَصل منهم الإنكار والتعذيب، فألقى إليهم حكم الله تعالى في تجمعهم وصِلاتهم وروابطهم، سواء كانت القبلية أو السياسية أو الاجتماعية ووَضَع قاعدة الهجرة إلى الله تعالى، والتي هي إعلان الكفر لا بشركهم فقط، بل الكفر بتجمعهم وروابطهم.
فالهجرة ليست كفرًا بالمعبودات النُّسُكية فقط، بل هي كُفرٌ بما توجب هذه المعبودات من روابط وصِلات وعلاقات، ولذلك قال الله بعد هذا: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (2)، هذا النبيُّ العظيم، الحكيم البليغ، خليل الله، لم يدخل في دينه مع كل هذه الحجج العلمية، وهذه الآية القاهرة بالنجاة من النار إلا لوط - عليه السلام -.
ومضى إبراهيم الخليل في الأرض، فيكون هذه فيها ذهابًا إلى الله وهجرة إليه، إذْ البقاء في ديار قومه بعد كل هذا الإعراض هو منع من لُحُوق الخيرات به؛ لأن الله علَّق كل الخيرات الدنيوية الواقعة على إبراهيم - عليه السلام - بسبب الهجرة كما في هذه السورة وغيرها كسورة مريم
(1) البقرة: 213
(2) العنكبوت: 26