والبصيرة في السياسة. إنهم يقولون هذا ردًا لحكم الجهاد، وحكمه في واقعهم ليس في مرتبة الاستحباب بل هو واجب في الشرع لا يملك العبد إلا أن يمتثل أمر الله فيه، لكنهم لجهلهم يجعلون الجهاد في مرتبة الاختيار والمباح، ثم هم يمنعونه بمثل هذه الظنون الجاهلة.
فإبراهيم - عليه السلام - يخاطبهم بالحجة والعلم وهم يجيبونه بالتهديد بالقتل والإحراق، ثم صار الأمر إلى ما قاله - سبحانه وتعالى - عنه في قصة كسر الأصنام، فأنجاه الله منهم ومن نارهم حين جعلها بردًا وسلامًا عليه.
فهذا حال ابتلاءٍ آخر، يُبيّن الله فيه قاعدة الرزق التي تشغل الناس وخشيتهم من اللحوق في ركب الإيمان؛ لأنه ركب الابتلاء، ويُبيِّن الله - سبحانه وتعالى - فيه عاقبة الثبات والصبر واليقين.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (1) يدلُّ على عودة الخطاب إلى سياق السورة في بنائها العلمي والنفسي للمؤمنين وهو يخبرهم في مَطْلعها بقدر الابتلاء للإيمان الذي أتوا إليه والْتَحقوا برَكْبِه، فإن الابتلاء لا يدوم إنما عاقبة الصبر عليه، النصر والنجاة. وقوله تعالى: ﴿لِّقَوْمٍ﴾ يدلُّ على نسب جديد لهؤلاء الناس، فإن القوم لا يكونون كذلك لمجرد الأعداد المُجتمعة، إنما تُقال لمن صار بينهم نَسبٌ ورابطة، فصار المؤمنون كذلك بهذا النسب الجديد، وهو نسب أعظم من كل نسب وأُخوَّة أقوى من كل رابطة كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (2)
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾؛ سياق هذه الآية يدلُّ أن الخليل - عليه السلام - قالها بعد أن نجَّاه الله من النار، فقد ألقاها على مسامع قومه قبل أن يفارقهم مهاجرًا، وهذا كما يتلاءم مع سياقها كذلك يتلاءم مع معناها، فإن إبراهيم - عليه السلام - قد قطع علائقه مع قومهم، وانماهت المودة؛ لأن مودة المؤمنين إنما تكون في الله، إذْ يجتمع المرء مع الآخرين على هذا الوثاق وهذه الوشائج الربانية العظيمة، أما هم فقد توادوا على عبادة غير الله من الأوثان، وهذه مودة باطلة وضعيفة، فإن المرء إن لم يتركها في الدنيا في الدنيا إقرارًا بباطلها كما فعل إبراهيم حين خرج عن زُمرة قومه في المودة والحب والصلة، فإن من بقي فيها سيكفر بها يوم القيامة، بل وتنقلب إلى بغضٍ ولعنٍ وشتيمة، وكل ذلك ليس بنافعهم بل مأواهم النار، ولن يُنجد بعضهم بعضًا كما قال تعالى عنهم: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ? مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ? وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم
(1) الروم: 37
(2) الحجرات: 10