تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا مع وجود وجه قوي وهو أن قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هو قول خارج عن خطاب إبراهيم - عليه السلام -، إنما هو من جدال الحق لهم في إنكارهم، وهو ما تَقدَّم من الشرح، أن هذا من الأسلوب القرآني في فتح الأقواس.

ومن تأمّل هذه المعاني من خطاب إبراهيم - عليه السلام - رآها شاملة لأمورٍ جليلةٍ مهمة:

1. فهي تُبين حق الله - سبحانه وتعالى - في التأليه والعبادة، وأن هذا الحق له؛ لأنه الرب الرازق لهم دون غيرهم من معبوداتهم الباطلة، وهي معبودات أنشأها الناس أنفسهم، لا لكونها حقائق.

2. وهي تُبيِّن حقيقة يوم القيامة وترد فيه على المنكرين له بأدلة تخضع لها قلوب وعقول المنصفين، سواء بالنظر العقلي إلى قدرة الله، أو بالنظر الخلقي إلى حكمة الله.

3. كذلك تُبين إحاطة قدرة الله كبشر جميعًا، وأن إعراض المعرض ليس لِما يظن جهلًا أنه خارج عن هذه القدرة، بل هي حكمة الله ليكون للرحمة موقفها وللعذاب موقعه.

4. ثم هي تُبيِّن الجزاء الأخروي للمنكرين واستحقاقهم للعذاب لتكذيبهم وكفرهم.

5. وهي تُبيِّن مهمة الرسول، وهي البلاغ، ومن تأمل هذا الموطن وهو قوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ووقوعه بين خطاب كله يدور حول حق الله وقدرته وحكمته وإحاطته وجزائه، تَبيَّن له أن قضية الوجود ليست لِما يقع بين البشر أنفسهم من أمور، إنما أحكام البشر وأوصافهم ثم مصائرهم محكومة بما بينهم وبين الله، وهذه قضية لا يُقيم لها شأنًا إلا أتباع الأنبياء من الدعاة إلى الله، وأما أهل السياسات الباطلة فلهم مناهج أخرى باطلة وهي معروضة اليوم ومُزيَّنة بين الناس بالباطل.

﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (1)؛ بعد هذا الخطاب الإبراهيمي والحِجَاج القرآني لقوم إبراهيم، وهو خطاب يكشف لكل قارئ أنه خطاب عبودية، ومن خلاله يعرف الداعي صورة جليَّة لحقيقة الداعي إلى الله، ونوع خطابه، وقاعدة الاختلاف بين المؤمنين وغيرهم، كان الجواب من قومه، وهذا الجواب هو بيان لإحدى صور البلاء التي يمتحن بها المؤمن في رحلة إيمانه، ومسيرة دعوته لقومه، فذكرُ إبراهيم - عليه السلام - وقصته بهذا السياق إنما هي داخلة في مفتتح السورة المنبئ أن الإيمان مبتلى، لا لحقيقة جرمٍ يرتكبه، بل لأنه يدعوهم إلى الله ويخوفهم الدار الآخرة، وقد رأينا خطابًا علميًا وحقائق كونية تستدعي حقائق غيبية، فالحديث ها هنا في ساحة حوار، إلا أن قومه كان جوابهم بعيدًا عن سلاح هذه الساحة، ولذلك قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا﴾ فكان جوابهم هو قرار البطش والإيذاء، وهذا لو تأملته لرأيت أن خطابهم كان متشككًا في القرآن ﴿اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ مما يدل أن قرار إيذاء إبراهيم وتعذيبه كان سابقًا لحادثة كسر الأصنام، بل إن قومه أبغضوه وتآمروا على تعذيبه قبل أن يتخذ قراره بكسر

(1) العنكبوت: 24

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٩٧