﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ ? قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (1)﴾، أو كسؤالهم الله تعالى الخروج منها للعمل الصالح كما في سورة فاطر: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ (2)، أو كسؤالهم أهل الجنة أن يُفيضوا عليهم شيئًا من النعم كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (3)
فهذه أربعة مواطن في القرآن تُبيِّن سؤالهم الله والملائكة عمومًا، ومالكًا خازن النار خصوصًا، وأهل الجنة أن يذهب عنهم عذاب النار أو بعضه، وهذا يدل على عدم يأسهم، فكيف يوفق هذا مع قوله تعالى: ﴿يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي﴾؟
فالجواب من وجهين:
1. إمّا أن يكون قوله تعالى: ﴿يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي﴾ على معنى إخبار الله لهم أي: ما يُسمى بالإنشاء، لا على معنى إخبار الله عنهم، أي: إنه يقول لهم: لن تصيبكم رحمتي.
2. وإمّا أن هذا اليأس يكون بعد أجوبَة مَنْ تَقدَّم لهم، فهذا حال وهذا حال.
وكلا المعنيين تحتمله الآية، وبالقولين قال أهل التفسير، دون الإشارة إلى موطن حصول اليأس بعد معاينة جهنم أو الدخول، أو بعد حوارهم ورجائهم كما تقدم في الآيات السابقة.
وهذا الالتفاف هنا من ضمير المخاطَب إبراهيم الخليل - عليه السلام - إلى خطاب الله تعالى بقوله: ﴿يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي﴾ إنما جاء لتعظيم هذا الشأن، وهو أن حرمانهم من الرحمة إنما تكلم الله به دون الخطاب المتقدم لأهمية القول وجلالته، فإن الالتفاف في الخطاب يُنبِّه السامع ويشدُّ المُعرض، وإذا كان في كلام الناس وخطابهم أن المرء قد يستغني بغيره في التبليغ عن أمور، فإنه إذا اشتد الأمر وكان عظيمًا كان صاحب الشأن أَوْلى في التبليغ عن نفسه، فهل هناك أعظم قولًا من أن يطرد الله امرءاً من رحمته؟
فجلالة القرار والحكم تقتضي أن ينسبه الله لنفسه، وأن يبلغه للمعنى به من جهة كلامه هو.
(1) غافر:49 - 50
(2) فاطر: 37
(3) الأعراف: 50