تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الناس في الدنيا إلى جهةٍ فإن ماتوا صاروا إلى غيرها، وحينها سيلاقون الله تعالى.

ولمَّا كان قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ مُوهِمًا للبعض أن القلب بعد الموت مصيره إلى قبضة الله فإنه في هذه الدنيا ليس كذلك، قال الله تعالى رادًا هذا الوهم: ﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاء وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (1)، وبهذا تعلمُ لماذا قُدِّمَت الأرض هنا على السماء بخلاف أكثر المواطن في القرآن، فإن السماء أشرف من الأرض فتُقدَّم غالبًا إلا في مواطن يكون في تقديم الأرض أبلغ كهذا الموطن.

وكذلك في سورة يونس في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (2) فإن الخطاب متعلق بعلمه بما عليه أهل الأرض من أحوال فاقتضى تقديم الأرض على السماء.

ففي قوله: ﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاء﴾ بيان خضوع الخلق في هذه الدنيا مع مشيئتهم في الاختيار لله - سبحانه وتعالى -، وإن أراد بهم شيئًا لا يَحجب أمره شيء، لا من قدرتهم ولا من قدرة غيرهم، سواء كان وليًا لهم أو نصير. وهذا الخطاب من إبراهيم - عليه السلام - على هذا النسق إنما هو خطاب لقوم مُعرضين، وهم في إعراضهم تَتيهُ نفوسهم إلى مواطن الغرور والكبر، فيُقرِّعهم ببيان قوة الله وقدرته عليهم وخضوعهم لأمره على كل حال؛ محاولة منه لتنكسر نفوسهم فتؤوب لرشدهم، ولذلك بعدها لم يَذكر لهم جانب الرحمة الإلهية لغلبة الإعراض والكفر والتكذيب عليهم، فقال لهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَاءِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (3)، وهذا بيانٌ جلي لِما تقدم أن الرحمة يوم القيامة مخصوصة لقوم، وأقرب الخلق إليهم هم المحسنون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (4) وذلك أنه - سبحانه وتعالى - لمّا ذكر أن رحمته لمن يشاء وعذابه لمن يشاء بيَّن هنا أن الكَفَرة بالرسالة وباليوم الآخر ليس لهم يوم القيامة نصيب من رحمة الله - سبحانه وتعالى -.

وقد يسأل سائل: كيف يئسوا من رحمة الله تعالى وقد ذكر الله عنهم أنهم يسألون الملائكة تخفيف العذاب أو هلاكهم حتى يُفلتوا من النار كما قال تعالى عنهم في سورة الزخرف: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (5)، أو كما قال الله عنهم في سورة غافر:

(1) العنكبوت: 22

(2) يونس: 61

(3) العنكبوت: 23

(4) الأعراف: 56

(5) الزخرف: 77

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٩٥