أمّا تقديم العذاب على الرحمة يوم القيامة في هذه السورة فهو لأسباب، منها:
- أن عدد المُعذبين يوم القيامة في جهنم أكثر من أهل الرحمة من أهل الجنة، فإنه لمَّا يُبعث آدم - عليه السلام - بعث أُمَّته إلى النار يكون من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعون من أهل النار، هذا مع أن الرحمة يوم القيامة أبلغ الرحمة وأوسعها، فإن الله لم يُنزل إلى الأرض إلا جزء واحد من مئة جزء من رحمته، وبهذا الجزء يتراحم الخلق، حتى أن منها أن ترفع الدابة رجلها حتى لا تطأ رضيعها، ويوم القيامة يسبغ الله كل رحمته إلا أنها لا تصيب إلا ما قال - سبحانه وتعالى -: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ? الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ (1)﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (2)﴾ ففي هذه الآية من سورة الأعراف عمَّ الله رحمته بالخلق وجودًا وإمدادًا، وخصها يوم القيامة لأهل طاعته.
- ومنها أن المخاطبين هم أهل إعراض وكفر، فكان بِدْء ذكر الجزاء الملائم لهم من العذاب دون غيرهم من أهل الطاعة، وذلك كقوله في سورة المائدة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (3)﴾؛ ذلك لأن هذه الآية جاءت عقب ذكر عقوبة السرقة، فذكر العذاب الملائم لهم. وهو كقول عيسى - عليه السلام -: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)﴾؛ ذلك لأن الحديث يدور حول الكافرين الذين اتخذوا عبد الله عيسى وأمه - عليهما السلام - إلهين من دون الله تعالى.
وأمّا في بقية المواطن في القرآن فإن المغفرة مُقدَّمة على العذاب؛ وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي))
قوله تعالى: ﴿مَن يَشَاء﴾ فإنه سبحانه لا يُسأل عما يَفعل وهم يُسألون، لكن هذا مقيد بالعدل الإلهي الذي أوجبه على نفسه؛ وذلك بأن يصيب برحمته من يستحقها، ويصيب بعذابه من يستحق، بل إنه - سبحانه وتعالى - يُسبغ برحمته من وَجَب عليه بعض الذنوب؛ ذلك لأن الرحمة من باب الإحسان، والله - عز وجل - له المثل الأعلى في السموات والأرض جلَّ في علاه.
قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ أي: إذا مُتُّم صرتم إليه، والقلب هو التحوُّل، فلمَّا كان وجهة
(1) الأعراف:156 - 157
(2) الأعراف: 157
(3) المائدة:40
(4) المائدة:118