وجود الألم في الخلق، والظلم في الوجود، فلمَّا لم يؤمنوا بالآخرة جعلوا الألم والظلم سبيلًا إلى اتهام الرب جهلًا وضلالًا، وعامة كفر الملحدين في التاريخ الإنساني واليوم هو هذا الباب كما هو مذكور في مكانه. فالإيمان بالآخرة هو الآية التي يعود إليها تفسير الأقدار في هذه الدنيا، ومن قرأ في تاريخ الردود على الملحدين وجد عند المتكلمين ضعفًا حين يُلغي هذا الركن في تفسير حكمة الله في إيلام الخلق ووقوع الفساد في الأرض؛ لأن كل محاولات تفسير الحكمة الربانية على وجهٍ عقلي قاصر على هذا الوجود دون الدار الآخرة سيكون ضعيفًا غير مكتمل. والقصد، أن السير في الأرض يكشف حكمة الخلق مما يؤدي إلى الإيمان بالآخرة على هذا المعنى من تفسير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ من عَلِم قدرة الله المطلقة المحيطة لكل شيء لم يتوقف في الإيمان بأن إعادة الخلق غير معجز على خالقه؛ ولذلك لمَّا سأل المشركون عن النشأة الآخرة بقولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾، ردَّ الله عليهم: ﴿قُل كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ? أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ (1)﴾ فهذا الحديد والحجارة وهي أشد منكم قد خلقها الله، وهي موجودة بين أيديكم تُشكلونها كما تريدون؛ فهل أنتم أشد من الحجارة والحديد حتى يمتنع إعادة خلقكم وتشكيلكم؟ فتمادوا بالإنكار: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا (2)﴾ فردَّ الله عليهم: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ (3)﴾؛ والفِطْر هو البدء بالشيء على غير مثالٍ سابق، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ (4)﴾، فلما انقطعت حُججهم ذهبوا إلى السؤال عن زمن الإحياء: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ (5)﴾، فجاء الرد: ﴿قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا (6)﴾
قوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (7)﴾؛ هذه ردٌّ عن سؤالهم النفسي عن حكمة النشأة الآخرة ويوم القيامة، فهي وإن كانت من قدرة الله القادر على كل شيء، لكن لا يقع الشيء إلا لحكمة، وأما الحكمة العظمى من يوم القيامة فهو المذكور هنا ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء﴾
(1) الإسراء:50 - 51
(2) الإسراء: 51
(3) الإسراء: 51
(4) الروم: 27
(5) الإسراء: 51
(6) الإسراء: 51
(7) العنكبوت: 21