أن العلم الذي يتحدث به المجتهدون اليوم في هذا الباب حق وصدق في أصله ولكن يُعرف التَّفاضُل بين العلوم بما تُحدِثه من آثار على القلوب والعبادات والهداية.
والقصد، أن السير في الأرض لمعرفة الحقيقة القرآنية لا يجوز لأحدٍ أن يجعل معناه على الوجه الذي مارسه الأوائل؛ لأن مقصود السير إنما يتحدد معناه بما يحتاجه أهل الوقت من دلائل تُثبت لديهم هذه الحقيقة بما يناسب علومهم.
وفي هذه الآية ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ جعل الله إدراك المرء لحقيقة كيفية الإنشاء الأول طريقًا لإدراك وجوب النشأة الآخرة، وهذه آية لا أعلم حقيقتها أو من تكلم عنها إلا إذا فُسِّرت بآيات أخرى تُبين تغير الناس أطوارًا ليعودوا إلى أصلهم الأول كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ (1)﴾، أو أن معناها أن إثبات النشأة الأولى فيه من القدرة العظيمة التي تضاهي إعادة الشيء بعد وجود مادته وأصل وجوده، والله أعلم.
وقد أمر الله السير في الأرض، وأمر بالتفكر في آياته الكونية في آيات متعددة، كما أمر السير في الأرض للنظر في عواقب الأمم السابقة كما قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (2)﴾ وغيرها، ومقصود ذلك:
- نفي العوارض والتُّهم عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
- وكذلك تحصيل الخوف من الله تعالى أن يصير المرء إلى مقامات المُعذَّبين.
- ومن أعظم فوائدها هو التسبيح والإخبات كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ? الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (3)﴾؛ ولعلَّ هذه الآية تكشف كيف يكون النظر إلى بدء الخلق سبيلًا لليقين على الآخرة؛ لأن الآخرة هي أعظم دلائل حكمة الرب وعَدْله وقهره، فمن رأى حكمة الرب في خلقه تيقن أن أمر الآخرة لا محالة قادم ولن يشك فيه؛ لِما يعلمُ من تمام عدل الله وقهره لعباده، إذْ مِن دون الآخرة يكون الوجود عبثًا كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (4)﴾ فجعل عدم الرجوع إليه في يوم القيامة من عبثية الوجود والله مُنَزَّهٌ عنه.
ولذلك كان أشدُّ الناس اتهامًا لحكمة الله من لا يؤمن بالآخرة، فنشأ عندهم الجهل في حكمة
(1) الأنبياء: 104
(2) النمل: 69
(3) آل عمران: 190 - 191
(4) المؤمنون: 115