فهذه مراتب القدر، الخلق والإيجاد والعلم بها وكتابة هذا العلم، كلها في هذه الآيات وقيام الله عليها علمًا وكتابة وخلقًا يصفها ربنا على نفسه باليسير؛ وذلك تعظيمًا لشأن الله - سبحانه وتعالى - جلَّ في علاه.
قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)﴾؛ كانت الآية السابقة قد علَّقت علم البشر لبدء الخلق وإعادته على رؤية الناس لها، أمّا كيفية بدء المخلوقات عمومًا وأفرادًا فقد علَّق الله العلم بها بقوله: ﴿سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾، والسير هنا هو الفحص والنظر والبحث؛ والفحص في الأمر الكوني للدلالة على صدق الأمر الشرعي منهجٌ قرآني، والناس يحتاجون للدلائل بمقدار العوارض التي تَكتنِفهم من الخصوم ومن النفوس كذلك - هذا كما ذكر أهل العلم في باب الكرامات - فإنها تكثر في زمن الشكوك لا اليقين، ذلك لاستغناء أهل اليقين عنها بما عندهم في قلوبهم من العلم، والقرآن الكريم تجري معانيه في الكونيات بحسب علوم الناس، ولا يشترط أن تجري على معاني العرب الأوائل بسذاجتها، فليس الأمر في هذا الباب - كما قال الشاطبي في الموافقات - من وجوب إجرائها على معاني العرب في عدم تكلفهم في التعمُّق والتفضيل، بل إن الله يُقيم في كتابه من الدلائل على صدق الرسول في تبليغه وأنه من عند الله بحسب حاجة الناس وعوارض زمانهم من المخالفين وغيرهم، وليس معنى هذا أن مع المتأخر علمًا زائدًا عن عِلْم المتقدم كما يُخَيَّل للبعض؛ لأن اليقين على الكتاب له أسباب متعددة، فما كان يعرفه العرب الأوائل من إعجاز القرآن من جهة لغته التي يتيهون على غيرهم بما عندهم من الذوق بها لا توجد اليوم عند المتأخرين، فهذا باب من الإعجاز يكاد يكون مجرد عنوان، فإن حصل للمتأخرين باب من الإعجاز يُلائم عِلْمهم فإنما هو إقامة لباب قد سدّه غيره عنهم، فلا يحصل للمتأخر علم زائد عن علم المتقدم، خاصة أن مقاصد القرآن الأولى تحصيل المعاني القلبية والتشريعية وهي معاني الهداية وهذه تحصل بالبيان أكثر مما تحصل بالمعجزات الكونية التي يدركها الأواخر بحسب علومهم.
ثم إن الكثير مما يطلبه المتأخرون من دلائل علمية إنما هي لرد التهمة عن الكتاب، ولتحصيل العلم بصدق الرسول، وإن كان الكثير منها يزيد اليقين والإيمان عند المؤمنين قبل سماعهم لها، لكن ما كان يَعْلمه الأوائل من دلائل في الكتاب على صدق الرسول إنما مقصده الأول زيادة اليقين والإيمان، فكان ما يحصُل للأوائل من عِلْمهم بالقرآن خيرًا مما يحصُل للمتأخرين، ومما يشهد لهذا هو زيادة التعبد التي تحصل لهم بعد علمهم من خلال طريقهم، وأما في أيامنا فمع ما يظهر من معجزات علمية وكونية في القرآن إلا أن آثار هذه العلوم أقل في زيادة التعبد والإخبات والإنابة، فدلَّ على أن علوم الأوائل خيرٌ من علوم المعاصرين، مع
(1) العنكبوت: 20