والاستدلال بالقدرة على الخلق الأول على البعث تكرر في القرآن الكريم كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (1)﴾، يقول له هذا عَقِب قولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (2)﴾
وقال سبحانه: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (3)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4)﴾ وهذا من أعظم الاستدلال وأوضحه.
وفي هذه الآية بيان رؤية الناس لإعادة الخلق كما يرون الإنشاء من العدم، فهذه النسمات من البشر والحيوانات إنما هي خلق جديد وإيجاد من العدم وخاصة الأرواح والنفوس، وأما إعادة الخلق فإن الناس يرون كيف يتحول الخلق من حال إلى حال كنمو الأبدان من المطعومات وغيرها، كما يرون نمو الأشجار من الأرض وخيراتها، فكل هذا من إعادة الخلق، والذي يَحُول بين الناس وبين هذه الآيات البيِّنات الواضحات هو ظنونهم أن جريان السنن يعني أنها تملك قوة بذاتها، مع أن هذه السنن الإلهية في الخلق إنما وُجدت ابتداءً من الله تعالى وخَلقِه لها، وهي كذلك لا يجري فعلها اضطرادًا إلا بقيام خالقها عليها في كل شؤونها وزمانها وأعمالها.
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فعظمة المخلوقات وعددها وتنوعها في وحدتها، ووحدتها في تنوعها إنما أمرُ إيجادها وبَعْثها يسيرٌ على الله العظيم؛ ذلك بأن الله إنما يخلق بالأمر كما قال سبحانه: ﴿إنَّما أمرُهُ إذا أرادَ شيئًا أن يقولَ لَهُ كُنْ فَيَكون (5)﴾
وقد تكرر في القرآن وصف قيام الله على خلقه، وعِلْمه بمخلوقاته على وجه الإحاطة لها من كل جانب باليُسْر كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (6)﴾ وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7)﴾
(1) الإسراء: 99
(2) الإسراء: 49
(3) الروم: 50
(4) الأحقاف: 33
(5) يس: 82
(6) الحج: 70
(7) فاطر: 11