تحته الأمزجة الشخصية والآراء الذاتية وقيم الجاهلية.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (1)﴾
ها هنا نموذج بيِّن لمن أراد أن يفهم الأسلوب القرآني في الخطاب، وهو الذي سمِّيته في مكان آخر بـ «فتح الأقواس» وهو الذي يسمونه بـ «الاستطراد» ومن لم يفهمه على وجهه لم يستطع أن يفهم التناسب بين الآيات، ولم يستطع أن يدرك عناوين السور وموضوعاتها الرئيسية، وهذا الأسلوب يجدونه الناس في كلامهم، إذْ أن المرء يشرع في موضوع كلي، قد يبدأ به، وقد يقدم له ما يلائمه، وقد يأتي في حديثه إلى أمر خادم لهذا الموضوع والبحث؛ وهو لأهميته في بناء المعنى لا بُدّ من فتح سعة به لشرحه وإبانته، فيظن من لا يراعي هذا أن هذا تغير عن الموضوع، وخاصة إذا طال بيان هذا الأمر، وليس الأمر كذلك، بل هو في الحقيقة فتح لقوس لا بُدّ من الانتباه إلى أنه سيغلق بعد حين ليعود إلى العنوان الرئيسي، وتصبح الحاجة إلى التفكر حين يأتي في هذا الموضوع الفرعي أمر آخر لا بُدَّ فيه من فتح قوس آخر له والتنبيه عليه؛ ولذلك كان كتاب الله تعالى هو الكتاب الذي يُمتحن صاحبه، ليكون مراتب الناس في الإيمان بمقدار فهمهم له ومعرفة طرق الاعتبار والتدبر، إذْ من دون ذلك لا تنشأ لذة إدراك المعاني العظمى فيه، وهذا الأمر هو أحد مفاتيح فهم بنية السورة في صبغتها الكلية، أما فهم الأسلوب القرآني في عرض المواضيع فهو باب آخر - تَقَدَّم بعضه - مثل:
- الإجابة على الأسئلة النفسية دون حضورها لفظًا.
- أو الانتقال من أسلوب الخطاب البياني إلى القصة القرآنية لا للتمثيل فقط ولكن لبحث جديد في سياق الأمر الكلي كما رأينا في ذكر قصة نوح، فهي ليست للتدليل على أمر سبق، وإن قال بذلك بعض أئمة التفسير كابن جرير.
لكنها في الحقيقة لمعالجة أمرٍ مهم في بيان مرحلة الإيمان والابتلاء فيه وهو أمر الزمن واستعجال النتائج.
ها هنا لمّا قال تعالى على لسان إبراهيم الخليل - عليه السلام -: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فنشأ الكلام على أمر الآخرة؛ ولذلك قال بعدها: ﴿وَإِن تُكَذِّبُوا﴾ وهذا أمرٌ يتعلق بالخبر، وأما ترك التوحيد وإفراد العبادة فنقيضُهُ الإعراض، فبدأ الحديث عن قدرة الله تعالى بإعادة الخلق بعد موتهم، فذكَّرَهم ببدء الخلق، وإعادة الخلق مع وجود الأصل أهونُ عليه كما قال تعالى في السورة التالية لسورة الشعراء وهي سورة الروم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ (2)﴾،
(1) العنكبوت: 19
(2) الروم: 27