يدعو إليه الأنبياء، وهذا تفهمه الجاهلية اليوم كما كان يفهمه دهاقِنتُها قديمًا، وقد استجاب الأنبياء وأتباعهم لهذا التحذير، فصبروا حتى أتاهم وعد الله.
أمّا أهل زماننا فإنهم أخضعوا الشريعة لحساب العرض والطلب، وزعموا أن هذا فعل السياسي المحنك، بل وزعموا كذبًا أن هذا هو حكمة الدعوة وأطلقوا عليه مسميات الاحتواء والتغلغل، ففقدوا الرشد وفقدوا النصر الإلهي وفقدوا احترام البشر، وصار أمرهم إلى حال غيرهم من أهل الباطل في الخداع والتعلب والمكر تحت مسمى السياسة والحكمة كذبًا وزورًا.
وقاعدة القرآن في ذلك جلية واضحة وهي قوله تعالى كما في سورة يونس: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (1)﴾ فالداعي متبع، وهو اتباع له ضريبته من البلاء فاقتضى الصبر، لكن عاقبة الأمر هي على ما قدر الله من النصر.
أمّا أهل العصر فلم يقعوا في المهيع الباطل فقط، بل ذهبوا في الشر أبعد من هذا، إذْ صار بعض المفتين إلى الإفتاء بالباطل، أو إلى تسمية الباطل بأسماء الحق، أو تسمية الحق بإطلاقات أهل الباطل التي يحبونها، ويزعمون أن هذا يحبب الناس بالحق، أو يدفعهم للإقبال عليه، فلم يصيبوا شيئًا من هذا، بل صاروا ألعوبة بيد الباطل ضد أهل الحق، وإن جنوا شيئًا فإنما هو مدح أهل الباطل لهم أنهم معتدلون غير متعصبين، وحكماء غير متشنجين، وهو ما حذّر الله نبيه من سلوكه فقال - سبحانه وتعالى -: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (2)﴾، فصاروا معتدلين عند أهل الباطل ومتنورين ومصلحين، فوضع الشر العظيم في الآخرة؛ وذلك بأن صار لأهل الباطل اليقين على ما هم عليه من الشرك والكفر والجاهلية، وأصل دعوة الأنبياء هو إبطال أديان الجاهلية للدخول في السِلْم كافة كما أمر الله، لكن لمَّا جاء هؤلاء المفتون فزعموا أن الإسلام يؤيد ويقر ما هم عليه، بل إن الإسلام عند هؤلاء لا يكتسب المدح إلا بسبب مشابهته لهم في ما يعتقدون من دين يرون أنه الحق الذي يصلح معيارًا لكل القِيَم في الأرض، صار ثبات أهل الباطل على دينهم أمرًا محسومًا لا شك فيه، وهذا من أعظم الباطل في الأرض، وهو على الضد من دين الأنبياء ودعوتهم.
فشتان بين دعوة الأنبياء ومنهجهم في الدعوة إلى الله وبين ما عليه المُبدِّلون اليوم؛ وكل ذلك لأن القرآن صار مجرد عمومات عند أهل العصر، بل هو عند الكثيرين مجرد شعار
(1) يونس: 109
(2) الإسراء: 73