ومن تأمّل هذا النهجَ القرآني في الدعوة مع رفع لافتة الابتلاء في بداية الطريق عَلِمَ أيَّ نوعٍ من الخَلْق الصادقين المقبلين على هذا الطريق، ثم عَلِم انحراف مناهج البدعة وهي تساوم على الحق، فتُزيل منه بعضه مَخافة إعراض الناس عنه، أو تذللًا لهم بأن الحق محتاج إليهم.
أمّا المعنى الثاني الذي تحمله الآية، فهي بيان دور الرسول، فليس هو إلا مبلغ، فإن لَحِق الناس بالحق فهي نعمة لحقت بهم، وعلاقة عبودية نشأت بينهم وبين ربهم، وما هو إلا حامل رسالة لهم، وإن أعرضوا فهم الخاسرون، ولن يلحق الرسول بهذا الإعراض أي نقص أو عار؛ ولذلك كان من تقويم القرآن لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يزيل من نفسه كل المعاني الذاتية والنفسية التي تلحق البشر في فطرتهم إن كذبوا في الخبر أو أعرض عن دعوتهم ومظانهم، فقال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ? وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ (1)﴾
وفي هذه الآية من سورة الأنعام معنى داخل في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾، وهو أن نهج الأنبياء أن لا يغيروا شيئًا من كلمات الله بسبب إعراض الناس عنها، هذا إن حُمِل قوله تعالى: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ على المعنى الشرعي، وأما إن حُمِلت على المعنى القدري فالمقصود هو بناء اليقين على جريان سنن الله بنصر الأنبياء وهلاك أعدائهم. ويشهد للمعنى المتقدم لهذه الآيات آيات أخرى من كتاب الله - سبحانه وتعالى - منها قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (2)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ (3)﴾؛ وهذه الآيات هي لبناء نفسية الداعي على معاني الثقة بالوعد الإلهي، وبناء الثبات على الحق وعدم التنازل عنه إن سُووِم على بعضه من قِبَل الجاهلية. وهذه المعاني التربوية في كتاب الله هي أعمدة الحق في قلب الداعي لمجابهة فتن الإغراء الباطل أو فتن الإرهاب والتخويف، وكلاهما من أعمال الجاهلية ضد أهل الحق لصرفهم عن بعض الحق؛ لأنهم يعلمون أن هذا التنازل يعني فقدان قوة الحق في أصل وجوده، إذْ يصبح الداعي والعالم لدين الله فاقدًا لمعنى تعبيد الناس لربهم وخضوعهم لأوامره؛ لأن العبادة لا يكون أصلها إلا على معنى التسليم الكلي لأمر المعبود الحق، فإن ساوم العابد في أمره آل الأمر إلى فقدان معنى التعبد إلى ما يجري بين الناس من عقود وعهود، وهذه قاعدتها غير قاعدة التعبد الذي
(1) الأنعام: 33 - 34
(2) الكهف: 6
(3) فاطر: 8