قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ هذه فاصلة تتلاءم مع ما تقدم من خطاب إبراهيم الخليل - عليه السلام - مع قومه، فإن العبادة هنا هي سؤاله هو - جلَّ في علاه - على معنى الدعاء والاستغاثة فيما يحتاج المرء ويرجو، وأمّا شكره فهو للنعم التي يراها على نفسه من فضل الله وعطائه، فالمرء بين هذين الحَدَّين في باب النعم، سؤال ما يحتاج وشكر ما اجتبى، وفي هذه الآية دليل على أن الدعاء والسؤال عبادة كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (1)﴾، هذا مع أن العبادة في نفسها تتضمن الحمد والشكر على النعم، لكن هذا كل من باب التفضيل الذي يتلاءم مع حال المخاطب لتفهيمه، وهو ليس من التكرار في شيء؛ لأن المعاني قد تجتمع وقد تفترق كما هو معروف في العربية.
أمّا قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فهو رد على من ظن في دعوة إبراهيم - عليه السلام - أن الدعوة إلى طلب الرزق من الله وشكره على نعمه هي قضية أخذ بالسنن الدنيوية، فالموافق لها منتفع بها في الدنيا والمعرض عنها خاسر في الدنيا، بل هذه في الحقيقة؛ أي دعوة إبراهيم - عليه السلام - لقومه في ابتغاء الرزق من مظانه لها هذه العلاقة والحقيقة ولكن علاقتها الأعظم بما يجده المرء يوم القيامة، فإن سؤال الله لِما يحتاج، وشكره لِما أخذ خاضعة لقاعدة الحسنة والسيئة وهي ميزان الأحكام يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (2)﴾؛ هذه من قواعد الحق التي يجب أن يتيقن بها أهل الإيمان، ويجب إبلاغها لأهل الإعراض، وهي أن الحق لا يكتسب قوته من غيره، لا الأتباع ولا غيرهم، كما أنه لا يفقد قوته بالعوارض التي تلحق به من جهل الناس به أو معاداته أو الزهد فيه، فالحق قوته في نفسه لأنه هو كذلك؛ ولذلك يدعو إبراهيم الخليل - عليه السلام - قومه إلى الحق مع شعور العزة الإيمانية أن الحق غني عنهم، وأنهم هم المحتاجون إليه، وهذه قاعدة في الدعوة مبثوثة في كتاب الله كما تَقَدَّم في قوله تعالى: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾
كل المعروضات الدنيوية، وكل الدعوات غير دعوة الأنبياء وأتباعهم تأتي للآخرين وفيها مشاعر الحاجة إليهم، فتخضع للمساومات البشرية إلا دعوة الحق، فإنها على غير هذا النهج، إنما تأتي للآخرين وهي عزيزة الجانب، ممتلئة بالاستغناء، لكنها كذلك محمولة بمعاني الرحمة على الخلق، فهي عزة بغير كبر، وامتلاء بغير استعلاء.
(1) غافر: 60
(2) العنكبوت: 18