تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (1)}، فهذه المعبودات الباطلة التي يطمع الناس مددها ونصرها ورزقها عند الشدائد لن تغنِ عن نفسها ولا عن غيرها شيئًا.

ولمّا كان الناس يخافون الذهاب إلى طائفة الإيمان اتّبّاعًا وهجرةً وجهادًا بسبب الخوف من فوات الرزق والمال، لِما يستقر في أذهانهم طغيان معبوداتهم الباطلة وقدرتها، فإن إبراهيم - عليه السلام - بيَّن ضلال هذا الاعتقاد، وأن الرزق بيد الله تعالى وحده فقال: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ فهذه لم تكتسب سَطْوة القوة الموهومة إلا بما خلق لها - التابع الضال -، فالحجر هو الحجر، لكن الإنسان هو الذي يصنع منه بوهمه إلهًا يظن فيه السمع والبصر والحياة والقيامة على الغير، وهذا شأن كل المعبودات، فمن الذي أضفى على فرعون صفة التألُّه؟ إنهم الأمم الجاهلة الواهمة كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (2)﴾

وما من طاغوتٍ حجريٍّ أو بشري إلا وهو مَهِينٌ ضعيفٌ فقيرٌ في داخله وواقعه، لكن أوهام العابدين وخيالاتهم وجهالاتهم تخلق فيه بكذبها وإفكها ما ليس فيه، ولذلك فليس الشقاء على المعبود الوقح فقط إنما الشقاء الأكبر هو من قِبَل مرتبة الهوان حين يخضع لهذا الطاغوت المعبود الوقح.

ثم تأمّل هذه الجموع التي ترقُب وترتجف لذِكْر رجلٍ منهم، يعلمون ما فيه كما يعلمون ما في أنفسهم من البشرية الضعيفة، فيؤدون له فروض الطاعة والامتثال رجاء حظوة أو متاع زائل، فإن ذهب هذا إلى قبره لم يصبروا حتى ذهبوا إلى غيره يصنعون وثنًا جديدًا وإفكًا لامعًا، وما هي إلا جهالة المشركين الذين لا يعبدون الله ولا يمثلون أمره.

أيُّ رقيٍّ مزعومٍ هذا، وأيُّ تطورٍ في مدارك البشر وهم مازالوا وقد فتنوا الذرة وبلغوا في السماء ارتفاعًا وفي المحيطات علمًا ثم هم يعتقدون ألوهية البقر والبشر؛ فلا يغرنك مزاعم من لا يعقل أن البشرية قد تطورت في مداركها حتى صارت قادرة عن الاستغناء عن هدي السماء وشرائع الأنبياء، فها هم كلما ازدادوا معرفة بالكون ازدادوا جهلًا بأنفسهم وبربهم، بل وازدادوا عجزًا عندما تقع عليهم الكوارث التي يقفون معها موقف المستسلم الذليل، ويكون قُصارى علمهم أن يفسروا للناس كيف وقعت، وذلك بعد أن تأخذ مداها منهم.

أمّا أولئك الذين ييبعون حياتهم وأرواحهم لغير الله من أجل المال والرزق فها هم - وبواقعنا الحي - لا يملكون سقوطهم وحاجتهم إلا الشكوى أن آلهتهم قد تخلَّت عنهم وتركتهم

(1) هود: 101

(2) الزخرف: 54

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٨٤