تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأمر لأنفسهم، ثم بَيَّنَ لهم فساد ما يعبدون من دون الله من أوثان وأصنام. ولمّا كانت العبادة لا تنشأ إلا لطلب نفع أو دفع ضر فهي تقوم على الرغبة والخوف، فإن الخلق يُجبلُون على الخضوع للمالك الباذل، والانصياع للمالك القاهر، ومسألة الرزق والمال تشغل حَيِّز هذا الإنسان، وقد وُصف الإنسان في هذا القرآن في هذا الجانب كثيرًا، أي: التذلل والانكسار لحظة الحاجة، والغرور والإعراض لحظة الاستغناء كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (1)﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2)﴾ والآيات كثيرة في هذا الباب؛ ولذلك كان الإنسان فقيرًا بذاته، ومهما زعم البعض أن المعاني والقيم هي أساس حركته واختياراته فإنهم يسقطون عند اختبار المال والشهوة إلا المؤمنين بالله والدار الآخرة. وأمّا الآخرون فهي أَغْلِفة كذب يتاجرون بها على المساكين والجهلة، وكم مضى من رجال سُمُّوا رجال مبادئ حتى إذا فُحص عن سرِّهم تبين للناس بهيميتهم الشهوانية في حب المال والشهوات، وما كانت المبادئ المُدَّعاة إلا سترٌ كاذب يخدعون به البهائم الذين يتبعونهم.

إبراهيم - عليه السلام - يذهب إلى هذا مباشرة ليبيّن أن ما تطلبون من رزق تحبونه أو تخشون ذهابه ليس بأيدي هؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله تعالى، إنما الرزق بيد الله وحده، فهذه أوثان فارغة جامدة لا تملك من أمرها شيئًا، بل هي محتاجة لغيرها في الوجود والإمداد، وهذا شأن المعبودات كلها من أوثان وغيرها، فإن أمر العجز ليس مرتبطًا بكون هذه الأوثان حجارة صماء، بل إن أمر العجز عن نفع الغير عند الحاجة شامل لكل ما سوى الله تعالى من المعبودات الباطلة، ففرعون لم يُغنِ قومه شيئًا لمَّا جاءهم الغرق في البحر بل قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فرْعَوْن قَوْمه وَمَا هَدَى (3)﴾، وعند الغرق لم يطلب إلا نجاة نفسه فقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (4)﴾، ولذلك وَصَف حال هؤلاء الداعين لغير الله ممن لا يسمعهم ولا يستجيب لهم بقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5)﴾ هذا في الدنيا وأمّا في الآخرة فعقّب الله على ذلك بقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)﴾، وكما قال تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن

(1) الإسراء: 83

(2) يونس: 12

(3) طه: 79

(4) يونس: 90

(5) الأحقاف: 5

(6) الأحقاف: 6

تفسير سورة العنكبوت · الصفحة ٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير سورة العنكبوتص ٨٣