ومن تأويلاتهم في رد الحق الذي جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - زعمهم أن إعلانهم الدخول في الدين الجديد يدمر حياتهم واقتصادهم ويُكالب عليهم الأمم: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا (1)﴾. وقد تَقَدَّم في مبحث الآيات الكونية زعمهم عدم وضوح الحق لديهم لعدم وجود المعجزات القاهرة كما قال قوم عاد لهود - صلى الله عليه وسلم -: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (2)﴾ وحججهم في القرآن كثيرة تحتاج لوحدها إلى جزءٍ مستقل، وهي عينها اليوم يتخذها اللاحق عن السابق ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ (3)﴾.
فمن فَهِمَ هذا عَلِمَ أن الحجّة القرآنية، والعبرة القرآنية كافية لاستيعاب كل أحوال وأزمنة الدعاة والمجاهدين على وجهٍ حقيقي، وحين تنجلي هذه الحقيقة للمسلمين حينها يصبح القرآن حقًا وصدقًا منهجهم لواقع وأحداث ورجال وجماعات زمانهم، فلا يحتاجون بعلمهم هذا إلى مناهج الباطل، ولا يتنازلون عن الحق الذي معهم لتغير الزمان كما يزعمون، ولا يصبح القرآن الكريم مجرد عمومات في أذهان العاملين، ثم يملؤون تفاصيل هذه العمومات بالخيالات والأوهام الذاتية أو المُسْتقاة من زبالات البشر الضالين؛ لأن هذا هو الواقع اليوم إلا من قلة من الغرباء من العلماء والمجاهدين الذين يجدون من جهلة أهل الإسلام والمبتدعة استهزاءً وإنكارًا أشد مما يجدون من أعداء الإسلام، بل إن أعداء الإسلام من الكفرة يعلمون قوة هؤلاء القوم ويدركون أن سبب إزالة سلطانهم هم هؤلاء ولذلك يحاربونهم أشد المحاربة ويقفون لهم كما وقف أسلافهم مع الأنبياء.
أمّا أولئك الذين يرفعون شعارات الإسلام على واقعٍ جاهلي، وحقائق جاهلية فهم في فهم الكفرة قبل غيرهم أعجز من أن يحققوا نصرًا ربانيًا مؤزرًا في معركة الوجود بين الحق والباطل؛ لأنهم وإن لم يفهموا هذا من كتاب الله فهم أعداؤه لكنهم يفهمون هذا من سنن التاريخ وسيرورته. وأمّا المبتدعة فلا هداية القرآن ملكوا، ولا سنن التاريخ فهموا، فما أشقى المُقلِّدة لهم، وما أصعب مهمة أهل الحق معهم.
في قصة إبراهيم - عليه السلام - مع قومه في هذه السورة تكاد تنحصر حجج إبراهيم - عليه السلام - على قومه، وخطابه لهم، يفتتح إبراهيم - عليه السلام - دعوته لقومه لعبادة الله واتقائه، وبَيَّن لهم خير هذا
(1) القَصَصْ: 57
(2) هود: 53
(3) البقرة: 118